جاري التحميل الآن

ورقة تحليلية بعنوان: رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية في اليمن

 

ورقة تحليلية – الجمعة 14 مارس

الباحث/ مهند الغرساني

IMG-20250220-WA0022-215x300 رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية في اليمن - كتابة سياسية

 

أولا: المقدمة:

تعد جماعة الحوثي (أنصار الله) من أبرز القوى المسلحة في اليمن، التي لعبت دورًا محوريًا في تطور الصراع الدائر في البلاد منذ عام 2014. على الرغم من التحديات والصعوبات التي واجهتها، تمكنت الجماعة من توسيع نفوذها بشكل كبير، مستفيدة من الظروف الداخلية والإقليمية. إن رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية في اليمن تتسم بالخصوصية، حيث تنطلق من عقيدتها السياسية والعسكرية التي تؤمن بالعنف كوسيلة للوصول إلى السلطة، إلى جانب ارتباطاتها الإقليمية بمشروع إيران التوسعي في المنطقة.

على الرغم من أن جماعة الحوثي لا تمتلك رؤية محددة ومعلنة للتسوية السياسية في اليمن سوى ما يطلق عليها “مقترح وثيقة الحل الشامل لإنهاء الحرب على الجمهورية اليمنية”، فإن هذه الورقة تهدف إلى بناء رؤية شاملة لجماعة الحوثي للتسوية السياسية. سيتم ذلك من خلال تحليل المواقف المعلنة من قبل الجماعة، مع تفكيك أفكارها وتصريحات قادتها حول التسوية السياسية، والتركيز على الصعوبات والمعوقات التي قد تعترض تنفيذ هذه الرؤية على أرض الواقع. بناءً على هذا التحليل، تسعى الورقة إلى تقديم نتائج وتوصيات من شأنها تعزيز فرص نجاح هذه الرؤية في المستقبل، مع التركيز على تعزيز استقرار اليمن وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة.

 

ثانيا: المدخل:

تعد جماعة الحوثي (أنصار الله) كيانًا مسلحًا ذا عقيدة عسكرية تؤمن باستخدام العنف كوسيلة للاستحواذ على السلطة. نشأت الجماعة في إطار المذهب الزيدي في اليمن، متأثرة بالمعطيات البيئية الداخلية والإقليمية. وقد مرت بتقلبات في انتماءاتها السياسية والولاءات الحزبية، كما ارتبطت بشكل وثيق بمشروع إيران التوسعي في المنطقة. تسعى الجماعة إلى إقامة جمهورية إسلامية تقوم على أسس الإمامة الزيدية بحلتها الجديدة، التي تركز على مفهوم “القائد والشعب”. منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، لم تحظَ الجماعة بأي اعتراف دولي شرعي، بل اعتُبرت حركة مسلحة انقلابية على الشرعية الدستورية في البلاد. ومع مرور الوقت، تحولت الجماعة إلى لاعب رئيسي في المشهد السياسي اليمني، رغم التحديات والصعوبات التي تواجهها، ومنها رفض اليمنيين لمشروعها الديني الطائفي القائم على السلالة، واستخدام العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة، وغياب مشروع سياسي واضح المعالم، بالإضافة إلى فشلها في إدارة المناطق الخاضعة تحت سيطرتها.

مع تطور الصراع منذ عام 2015، طرحت جماعة الحوثي “رؤيتها” الخاصة لإنهاء الحرب، التي أطلقت عليها “مقترح وثيقة الحل الشامل لإنهاء الحرب في الجمهورية اليمنية”. تتكون هذه الوثيقة من ثلاثة أجزاء رئيسية: أولًا، “إنهاء الحرب” من خلال تنفيذ “وقف إطلاق النار”. ثانيًا، “إنهاء الحصار” المفروض من قبل التحالف العربي، مع تدابير اقتصادية وإنسانية لمعالجة الوضع. ثالثًا، التوصل إلى تسوية سياسية عبر “العملية السياسية اليمنية” (المسيرة، 2020).

تتمحور الرؤية التي تقدمها هذه الورقة حول عدة محاور رئيسية تشمل وقف إطلاق النار، إنهاء التدخلات الأجنبية، وتوفير بيئة سياسية شاملة لجميع الأطراف. كما تركز الجماعة على أهمية المصالحة الوطنية، والشراكة العادلة في السلطة والثروة، وحل القضية الجنوبية بطريقة عادلة تضمن حقوق الجميع. في الوقت ذاته، تتبنى الجماعة خطابًا سياسيًا يشدد على احترام السيادة الوطنية وتحقيق السلام والاستقرار عبر حلول سياسية بعيدة عن الهيمنة الخارجية. وتُظهر هذه الرؤية التزامًا بإيجاد تسوية سياسية شاملة، إلا أن تنفيذها يواجه تحديات كبيرة، سواء من حيث التحول السياسي الداخلي أو مواجهة العوامل الاقتصادية والخارجية التي تؤثر في مسار التسوية. إن فهم رؤية جماعة الحوثي يتطلب دراسة معمقة للأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تقوم عليها، ومدى قابلية تطبيق هذه الرؤية في ظل المعوقات والصعوبات التي تواجه العملية السياسية في اليمن.

 

ثالثا: أركان رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية:

تتألف رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية في اليمن من مجموعة من الأركان الأساسية التي تعكس كل منها جانبًا مهمًا من جوانب الحل السياسي الذي تسعى الجماعة إلى تحقيقه. هذه الأركان تمثل الإطار الذي يحكم رؤية الحوثيين لحل النزاع القائم في البلاد، وتهدف إلى تقديم حلول شاملة ومستدامة للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها اليمن. يمكن إجمال هذه الأركان على النحو التالي:

1-  وقف إطلاق النار، والإعلان عن انتهاء الحرب، وخروج القوات الأجنبية:

تسعى جماعة الحوثي إلى إنهاء النزاع المستمر في اليمن من خلال الدعوة إلى وقف إطلاق النار، الإعلان عن انتهاء الحرب، وخروج القوات الأجنبية. يرى الحوثيون أن هذه الخطوات تعد أساسية لتخفيف معاناة الشعب اليمني وإعادة الاستقرار للبلاد. حيث يُطالبون بوقف فوري للأعمال العدائية من جميع الأطراف المتنازعة، بما في ذلك جماعة الحوثي نفسها، وذلك بهدف خفض التصعيد العسكري وتجنب المزيد من الخسائر البشرية والمادية.

كما يعتبر الحوثيون أن الإعلان عن نهاية الحرب يعد بمثابة التزام من جميع الأطراف بوقف الأعمال الحربية بشكل نهائي، وهو خطوة مهمة تمهد الطريق لمرحلة جديدة من التفاوض والبناء السياسي بعيدًا عن العنف. هذا الإعلان يُسهم في إيجاد بيئة ملائمة للحوار ويعزز فرص الوصول إلى تسوية شاملة.

من جانب آخر، يصر الحوثيون على ضرورة انسحاب القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية، معتبرين أن وجود هذه القوات يسهم في تعميق الأزمة وتفاقم الصراع. وتؤكد جماعة الحوثي على ضرورة احترام السيادة الوطنية لليمن، مُشددين على أن البلاد يجب أن تُحكم من قبل أبنائها دون تدخلات خارجية. كما يُطالب الحوثيون بإنهاء “التواجد الأجنبي في جميع أراضي الجمهورية اليمنية وجزرها وموانئها، وأجوائها، وإنهاء أي تواجد عسكري يمني في الأراضي السعودية” (المسيرة،2020، ص 2).

يُعد هذا المطلب جزءًا من رؤية الحوثيين لتعزيز الاستقلال الوطني وإعادة السيطرة الكاملة للسلطات اليمنية المحلية على أراضيها. بذلك، تشدد جماعة الحوثي على أن التسوية السياسية لا يمكن أن تبدأ بجدية إلا بعد وضع حد للنزاع العسكري بشكل كامل، مع التأكيد على احترام السيادة الوطنية من خلال خروج القوات الأجنبية.

2 –  إنهاء العدوان، وترتيب الوضع الإنساني والاقتصادي:

تدعو جماعة الحوثي إلى إنهاء ما تصفه بالعدوان العسكري على اليمن، الذي بدأ في عام 2015، والذي شارك فيه التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات. لا يقتصر هذا العدوان على التحالف السعودي الإماراتي فقط، بل يمتد ليشمل أيضًا التدخل الأمريكي البريطاني في اليمن، خاصة بعد تصاعد العمليات العسكرية في البحر الأحمر. تسعى الجماعة إلى معالجة الأوضاع الإنسانية المتدهورة وتحسين الوضع الاقتصادي المتأثر نتيجة الحرب. هذه الدعوة تعكس رغبة الحوثيين في وضع حد للنزاع المستمر، الذي سبب معاناة كبيرة للمدنيين ودمر البنية التحتية للبلاد.

“فتح جميع المطارات في اليمن بما فيها مطار صنعاء الدولي أمام الرحلات الدولية المباشرة، وإعادة تشغيل المطارات اليمنية كما كان الوضع عليه قبل عام 2015م” (المسيرة، 2020، ص 4).

تشمل الدعوة إلى إنهاء العدوان أيضًا إجراءات عملية من شأنها تسهيل عودة الحياة الطبيعية في اليمن. فعلى سبيل المثال، يطالب الحوثيون بفتح جميع المطارات في اليمن، بما فيها مطار صنعاء الدولي، أمام الرحلات الدولية المباشرة. هذه الخطوة ضرورية لضمان تنقل المدنيين واستئناف النشاط الاقتصادي الذي يعتمد على النقل الجوي.

“إعادة فتح جميع المنافذ البرية للجمهورية اليمنية أمام جميع المدنيين والحركة التجارية، وضمان إزالة الصفة العسكرية عنها” (المصدر نفسه، 2020، ص 4).

كما يطالب الحوثيون بإعادة فتح جميع المنافذ البرية أمام حركة المدنيين والسلع التجارية، وضمان إزالة الطابع العسكري عن هذه المنافذ. هذا المطلب يعزز أهمية إعادة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها ويضمن حركة المواطنين والسلع دون أي عوائق. في هذا السياق، تدعو جماعة الحوثي إلى معالجة الوضع الإنساني المتدهور الذي يعيشه الشعب اليمني نتيجة الحرب المستمرة، من خلال تقديم المساعدات الإنسانية بشكل عاجل، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن توفير الغذاء والماء الصالح للشرب. كما يولي الحوثيون أهمية خاصة لتحسين الظروف المعيشية للمدنيين الذين يعانون جراء النزاع بهدف تقليل المعاناة الإنسانية الناتجة عن الحرب.

“ضمان إزالة الصفة العسكرية من الطرق وضمان سلامة المرور أمام جميع المدنيين والحركة التجارية. وتشتمل ضمانات الطرفين عدم توجيه الضربات الجوية أو حشد الأسلحة الاستراتيجية أو الأفراد العسكريين أو المعدات العسكرية أو إطلاق النار، كما تتضمن إزالة جميع العبوات الناسفة والألغام على طول الطرق المحددة” (المصدر نفسه، 2020، ص 5).

بالإضافة إلى ما سبق، تؤكد الجماعة على ضرورة “الإفراج عن كافة المعتقلين والأسرى وكشف المفقودين وتبادل الجثامين حسب الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين برعاية الأمم المتحدة” (المصدر نفسه، 2020، ص 7).

وعلى التوازي  تطالب بإنهاء الحصار البحري ورفع القيود عن جميع الموانئ اليمنية، بما في ذلك (الحديدة – الصليف – رأس عيسى) وجميع موانئ البحر الأحمر، وذلك لضمان إعادة تشغيلها بقدرتها التشغيلية قبل عام 2015م.

“إنهاء الحصار البحري ورفع القيود عن جميع الموانئ اليمنية، بما فيها (الحديدة – الصليف – رأس عيسى) وجميع موانئ البحر الأحمر، بما يضمن إعادة تشغيلها بقدرتها التشغيلية المعمول بها قبل عام 2015م” (المصدر نفسه، 2020، ص 5).

علاوة على ذلك، تطالب الجماعة بدفع “رواتب جميع منتسبي قطاعات الدولة في الجمهورية اليمنية حسب قوائم رواتب عام 2014م لدى الطرفين” (المصدر نفسه، 2020، ص 6).

اللافت أن  الحرب قد ألقت بظلالها على الاقتصاد اليمني، حيث انهارت العملة الوطنية، وتدمرت المنشآت الصناعية والبنية التحتية الأساسية. لذلك، يطالب الحوثيون بإعادة هيكلة الاقتصاد اليمني من خلال استئناف النشاط الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية، ودمج وتوحيد البنك والعملة الوطنية. كما يطالبون بدعم القطاعات المتضررة مثل الزراعة والتجارة. يتطلب ذلك أيضًا إيجاد حلول عملية لتحفيز النمو الاقتصادي، بما في ذلك تيسير وصول الأموال والمساعدات الدولية، وتشجيع الاستثمارات في مشاريع إعادة الإعمار.

بناءً على ما تقدم، يتضمن هذا الركن مساعٍ لإنهاء العدوان العسكري وتأمين الظروف التي تتيح معالجة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المتدهورة. الهدف من ذلك هو تمكين الشعب اليمني من تجاوز آثار الحرب وبناء حياة أفضل.

 

3- إيقاف التدخلات الخارجية، واحترام السيادة الوطنية:

تعتبر جماعة الحوثي أن التدخلات الخارجية في الشأن اليمني أحد العوامل الرئيسة التي تفاقم الأزمة وتطيل أمد النزاع. ومن هذا المنطلق، تدعو الجماعة إلى إنهاء جميع أنواع التدخلات العسكرية والسياسية من قبل القوى الخارجية، سواء كانت تلك التدخلات من دول التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات، أو من دول أخرى لها تأثير على مجريات الحرب في اليمن.

الركيزة الأساسية لهذه الدعوة هي احترام السيادة الوطنية لليمن، حيث ترى الجماعة أن السيادة يجب أن تكون محمية تمامًا من أي تدخل خارجي. وبالتالي، يشمل هذا المطلب مطالبة الحوثيين بعدم السماح بوجود قواعد عسكرية أجنبية على الأراضي اليمنية، وعدم التأثير على السياسة الداخلية للبلاد. كما تدعو الجماعة إلى ضرورة إيقاف الدعم العسكري واللوجستي الذي يُقدَّم للأطراف المتحاربة في النزاع، سواء من خلال الأسلحة أو التدريب أو التمويل، الأمر الذي يعزز قدرة اليمن على اتخاذ قراراته السياسية المستقلة.

يؤكد الحوثيون على ضرورة أن يكون القرار اليمني مستقلًا تمامًا، دون أي تدخلات خارجية، وأن السيادة الوطنية يجب أن تُحترم بشكل كامل. يطالبون بأن تُتخذ القرارات السياسية والعسكرية بشكل داخلي من قبل الأطراف اليمنية، بما يتماشى مع مصالح الشعب اليمني، دون أن يفرض أي طرف خارجي تأثيرًا على مسار الأحداث.

في هذا السياق، يُعد خروج القوات الأجنبية من الأراضي اليمنية أحد المطالب الأساسية لجماعة الحوثي، باعتبار أن وجود هذه القوات يُعتبر انتهاكًا لسيادة اليمن ويزيد من تعقيد النزاع. كما يعتبر الحوثيون أن إيقاف التدخلات الخارجية من شأنه أن يُسهم في تعزيز الاستقرار وإيجاد حلول سياسية شاملة تُراعي مصالح جميع الأطراف اليمنية، دون ضغط أو تأثير من القوى الخارجية.

وبذلك، تؤكد الجماعة أن أي تسوية سياسية ناجحة لا يمكن أن تتحقق إلا إذا توقفت التدخلات الخارجية، وحُترمت السيادة الوطنية لليمن، وذلك لضمان أن تكون أي تسوية في النهاية ملائمة للشعب اليمني وتحفظ استقلاله.

4- التعاون الإيجابي مع جهود الوساطة الخليجية والأممية:

تؤكد جماعة الحوثي على ضرورة التعاون مع الجهود الخليجية والأممية الرامية إلى إيجاد حل سياسي شامل ومستدام للنزاع في اليمن. حيث ترى الجماعة أن المساعي الدولية والإقليمية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في تحقيق السلام، شريطة أن تكون هذه الجهود قائمة على أسس من الحياد والعدالة.

في هذا السياق، تشدد الجماعة على ضرورة أن يكون التعاون مع الوساطات الدولية والإقليمية مبنيًا على الاحترام المتبادل لسيادة اليمن وحقوق شعبه. من هذا المنطلق، تلتزم جماعة الحوثي بالمشاركة الإيجابية في أي جولات تفاوضية تيسّرها الأطراف الخليجية أو الأمم المتحدة، شريطة أن تكون هذه الجهود محايدة وموضوعية، وألا تكون مشوبة بتدخلات خارجية تستهدف مصلحة طرف دون آخر.

كما ترى جماعة الحوثي أن دور الأمم المتحدة يجب أن يكون حاسمًا في متابعة تنفيذ أي اتفاقات يتم التوصل إليها، خاصة في ما يتعلق بتقديم الدعم الإنساني والإشراف على عمليات إعادة الإعمار، لضمان التزام جميع الأطراف بما تم الاتفاق عليه.

وفي الوقت نفسه، تؤكد الجماعة على أهمية الوساطة الخليجية، نظرًا لدور دول مجلس التعاون الخليجي في الشأن اليمني ووجود مصالح مشتركة بين اليمن وهذه الدول. ومع ذلك، ترى جماعة الحوثي أن الوساطة الخليجية يجب أن تكون متوازنة، ولا تنحاز لطرف على حساب آخر، بحيث تضمن حق جميع الأطراف في المشاركة الفاعلة في الحل السياسي.

إجمالا، يُعد التعاون الإيجابي مع جهود الوساطة الخليجية والأممية جزءًا لا يتجزأ من رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية، حيث ترى فيه طريقًا إلى السلام الدائم الذي يحقق الاستقرار في اليمن ويعود بالفائدة على جميع أطياف الشعب اليمني.

5- المصالحة الوطنية، واستكمال مهام المرحلة الانتقالية:

يرى الحوثيون أن المصالحة بين مختلف الأطراف اليمنية تعد خطوة أساسية لإنهاء الصراع، حيث يؤكدون أن السلام الدائم في البلاد لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التوصل إلى توافق وطني شامل بين جميع الأطراف السياسية والاجتماعية. تهدف المصالحة الوطنية إلى تصحيح الأوضاع الداخلية، بناء الثقة بين الفئات المختلفة في المجتمع اليمني، واستعادة اللحمة الوطنية التي تضررت جراء النزاع المستمر.

تدعو جماعة الحوثي إلى مصالحة شاملة لا تستثني أي فئة من الفئات اليمنية، مع ضمان حقوق الجميع في المشاركة السياسية والتمثيل في مؤسسات الدولة. وتنظر جماعة الحوثي إلى المصالحة الوطنية كعملية تصالح بين جميع الأطراف السياسية والاجتماعية، بما في ذلك القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، وذلك بهدف توحيد الجهود لاستعادة الأمن والاستقرار في البلاد.

ومع ذلك، “يُبدي الحوثيون تفضيلهم عَقْد مصالحة وطنية – وفق شروطهم – على أي اتفاق سياسي برعاية خارجية، حتى إنهم شكَّلوا في أغسطس 2019 فريقًا خاصًا أطلقوا عليه ‘فريق المصالحة الوطنية’، وعبر هذا الفريق جدَّدوا في 27 فبراير الماضي دعوتَهم بقية الفرقاء اليمنيين لمصالحة وطنية شاملة” (وحدة الدراسات اليمنية، 2020).

بالإضافة إلى ذلك، ترى جماعة الحوثي أن استكمال مهام المرحلة الانتقالية يشكل جزءًا أساسيًا من عملية المصالحة الوطنية. في رؤيتهم، يجب أن تركز المرحلة الانتقالية على تنظيم انتخابات حرة ونزيهة، بالإضافة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل جميع الأطراف اليمنية بشكل عادل. كما ينبغي أن تشمل هذه المرحلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي تساهم في بناء الدولة اليمنية الحديثة، وتوفير فرص التنمية والازدهار لجميع المواطنين.

في هذا السياق، تؤكد جماعة الحوثي على ضرورة إشراك كافة القوى السياسية والاجتماعية في عملية بناء المستقبل السياسي للبلاد، مع التأكيد على أن ذلك يجب أن يتم دون إقصاء أو تهميش لأي طرف. كما تؤكد على أهمية ضمان حقوق جميع اليمنيين في المشاركة السياسية وفي تقرير مصير بلادهم بعيدًا عن أي تدخلات خارجية.

بالتالي، تعتبر المصالحة الوطنية واستكمال مهام المرحلة الانتقالية حجر الزاوية لإنهاء حالة الحرب، حيث تشكلان الأساس لبناء بيئة سياسية مستقرة تسهم في تعزيز الوحدة الوطنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة بما يخدم مصالح الشعب اليمني.

 

6- الشراكة العادلة في السلطة والثروة:

المقصود بهذه الشراكة هو توزيع السلطة والثروة بشكل متوازن وعادل بين جميع الأطراف السياسية والمكونات الاجتماعية في اليمن. وفي هذا الإطار، تؤكد جماعة الحوثي على ضرورة وجود شراكة حقيقية وعادلة بين جميع الأطراف، بما يعكس التوزيع العادل للموارد والسلطة في البلاد.

تهدف هذه الشراكة إلى ضمان مشاركة جميع القوى السياسية في اتخاذ القرارات التي تؤثر على مستقبل اليمن، وتقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية بين مختلف المناطق والفئات. ويشمل ذلك ضمان حقوق جميع الأطراف في السيطرة على الموارد الوطنية، وكذلك تمثيلهم في مؤسسات الدولة بشكل يتسم بالعدالة والمساواة.

تعد الشراكة العادلة في السلطة والثروة إحدى الوسائل التي تسعى جماعة الحوثي من خلالها لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في اليمن، كما تهدف إلى معالجة الاختلالات التي نشأت نتيجة الحرب والصراع المستمر.

يتطلب هذا المبدأ نظامًا سياسيًا يضمن العدالة في توزيع الفرص والموارد في الدولة، ويهدف إلى تحقيق التوازن بين جميع فئات الشعب اليمني. وفي هذا السياق، تُعد الشراكة العادلة الركن الرئيس لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد على المدى الطويل، وهي من المطالب الرئيسية لجماعة الحوثي في إطار أي تسوية سياسية محتملة.

وينبغي أن تتضمن أي استراتيجية للتعامل مع أنصار الله (الحوثيين) عنصر المشاركة. وسيبقى أنصار الله (الحوثيون) جزءًا من الصراع إلى أن يصبحوا جزءًا من الحل (صفا، 2018، ص 78).

7- تطوير الإطار القانوني للتسوية استنادًا إلى معطيات الواقع:

تعتبر جماعة الحوثي أن تطوير الإطار القانوني للتسوية السياسية في اليمن يجب أن يستند إلى معطيات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد، بما يعكس التغيرات التي طرأت على الساحة اليمنية نتيجة الصراع المستمر. وتؤكد الجماعة على أهمية أن يكون هذا الإطار القانوني مرنًا، قادرًا على التكيف مع التحديات الحالية، ويأخذ بعين الاعتبار مختلف الأطراف والمكونات السياسية والمجتمعية التي تأثرت بالحرب.

وفي هذا السياق، يعبر القيادي الحوثي محمد علي الحوثي عن موقف الجماعة من “المرجعيات” التي تعتبرها غير صالحة في الوقت الراهن، حيث نقل موقع “المسيرة نت”، الناطق باسم الحوثيين، عن قوله: “تعليقاً على البند الرابع في إعلان جدة، فإن ما يسمى بالمرجعيات عفا عليها الزمن ولم تعد ضمن المباحثات” (حمود، 2023).

ويرى الحوثيون أن الإطار القانوني يجب أن يعكس تطلعات جميع الأطراف، ويعزز من العدالة والمساواة بين جميع المكونات السياسية والاجتماعية. ويشمل هذا التعديل ضمان تحقيق تسوية شاملة تنطلق من أرضية قانونية متينة تراعي الواقع الاجتماعي والسياسي وتحقق مصالح مختلف الأطراف. ومن هذا المنطلق، أكد القيادي الحوثي محمد علي الحوثي في وقت لاحق: “المرجعيات أصبحت شكلية كما هي من قبل، والسعودية ودول العدوان (التحالف) تستخدمها كمصطلح تؤكد من خلاله عزوفها عن الحل، وأنها لا تريد السلام” (المصدر السابق، 2023).

يعتبر هذا التوجه خطوة ضرورية لضمان نجاح أي تسوية سياسية، حيث يهدف إلى أن تكون القوانين الجديدة مرنة بما يكفي لتلبية احتياجات المجتمع اليمني، وفي الوقت ذاته تكون عادلة وتعكس تطلعات كافة الأطراف والمكونات السياسية والاجتماعية في البلاد. ومن هذا المنطلق، شدد رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين مهدي المشاط، في خطاب بتاريخ 22 مايو/ أيار الماضي، على أن “القرار الأممي 2216 يدعو إلى استسلام صنعاء التي ليس في قاموسها الاستسلام” (,Sameai ,2023)

 

8- التأكيد على حل القضية الجنوبية، ورفض سياسة الإقصاء والتهميش:

ترى الجماعة أن القضية الجنوبية تمثل جزءًا محوريًا من التحديات التي تواجه البلاد. وتؤكد الجماعة على ضرورة معالجة هذه القضية بشكل يضمن حقوق أبناء الجنوب ويعترف بتطلعاتهم في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يسهم في تحقيق السلام والاستقرار في اليمن.

وفي هذا السياق، ترفض جماعة الحوثي سياسة الإقصاء والتهميش التي تعرض لها أبناء الجنوب في المراحل السابقة، سواء على مستوى السلطة أو على مستوى تمثيلهم في المؤسسات السياسية والاقتصادية. كما تؤمن الجماعة بأن الحل العادل للقضية الجنوبية يجب أن يضمن مشاركة فعالة لأبناء الجنوب في صنع القرار، ويمنحهم حقوقًا متساوية في كافة المجالات، بما يعزز من بناء الثقة بين مختلف الأطراف السياسية والمجتمعية في البلاد.

ترى جماعة الحوثي أن استبعاد أو تجاهل مطالب الجنوب من شأنه أن يعمق الفجوة بين أبناء الشعب اليمني، ويؤدي إلى استمرار الصراع وعدم الاستقرار. ومن هذا المنطلق، تؤكد الجماعة على أن أي تسوية سياسية في اليمن يجب أن تأخذ بعين الاعتبار قضايا الجنوب بشكل خاص، وأن تكون الحلول المقترحة شاملة وتلبي تطلعات جميع الأطراف، مع ضمان حقوق الجنوبيين في المشاركة الفاعلة في صنع القرار السياسي وبناء الدولة اليمنية المستقبلية.

وفي هذا الصدد ، يمكن القول أن نتائج حرب 1994 تؤكد أن “دولة الوحدة وليس الوحدة هي موضوع الخلاف الذي كان.. ومعنى ذلك أن ميزان القوى عند إعلان الوحدة كان ممانعًا لبناء الدولة.. وإذا كان الشمال حينها هو الطرف الأقوى في معادلة القوة فالممانعة كانت شمالية ومن قبل أطراف ومراكز نفوذ لها مصلحة في أن لا تكون هناك دولة تساوي بين كل اليمنيين” (اتحاد الرشاد اليمني، 2013).

إجمالًا، تؤكد جماعة الحوثي أن حل القضية الجنوبية يعد أمرًا جوهريًا في أي تسوية سياسية شاملة في اليمن. إن رفض سياسة الإقصاء والتهميش والاعتراف بمطالب الجنوبيين يشكل خطوة أساسية نحو تحقيق السلام والاستقرار في البلاد. من خلال معالجة هذه القضية بجدية وبأسس قانونية عادلة، يمكن بناء دولة يمنية قادرة على تحقيق العدالة والمساواة بين جميع أبنائها، وضمان مشاركة فعالة للجميع في عملية صنع القرار وبناء المستقبل.

 

9- الحل السياسي الشامل :

الحل السياسي الشامل في اليمن، كما تتبناه جماعة الحوثي، يُعد ركيزة أساسية لتحقيق السلام والاستقرار في البلاد بعد سنوات من الصراع المستمر. يركز هذا الحل على تجاوز المواقف العسكرية والقتالية والتركيز على مسار سياسي يضمن إشراك جميع الأطراف اليمنية في العملية السياسية. الجماعة ترى أن الحل السياسي الشامل يجب أن يشمل كافة القوى السياسية، بما في ذلك الأطراف الجنوبية والشمالية، وكذلك المكونات الاجتماعية المتنوعة التي تأثرت بشكل مباشر أو غير مباشر بالصراع.

وفي هذا الإطار، يؤكد الحوثيون على أن عملية سياسية شاملة يجب أن تبدأ بالحوار بين جميع الأطراف، حيث يُقدم كل طرف مقترحاته ورؤاه حول العملية السياسية إلى مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، وعند استكمال تقديم المقترحات والرؤى، تدعو الأمم المتحدة الأطراف المحددة إلى طاولة حوار، وتحدد مكانها وزمانها (المسيرة، 2020، ص8).

كما يركز الحل السياسي الشامل على إعادة بناء مؤسسات الدولة بشكل عادل وشامل، مع ضمان تمثيل كافة الأطراف في هذه المؤسسات. هذا يشمل إصلاحات دستورية تهدف إلى إرساء العدالة والمساواة، وإعادة هيكلة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لتكون محايدة ومهنية، بعيدًا عن التمييز أو الانحياز لأي طرف. لذلك، فإن الحل يتطلب إنشاء آليات فعالة لتنفيذ التعديلات القانونية والدستورية التي تضمن تحقيق العدالة.

وفي هذا الصدد، أشار المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ في ديسمبر 2023 إلى أن الأطراف المعنية بالصراع اليمني قد أبدت التزامها باتخاذ خطوات نحو وقف إطلاق النار على مستوى البلاد، والبدء في الاستعدادات لاستئناف العملية السياسية الشاملة تحت رعاية الأمم المتحدة (عبده، 2025).

الجانب الاقتصادي والاجتماعي يُعتبر أيضًا جزءًا أساسيًا من الحل السياسي الشامل، حيث يُركز على معالجة القضايا الاقتصادية التي يعاني منها اليمن، من خلال خطط للتنمية الاقتصادية المتوازنة بين مختلف المناطق اليمنية. إضافة إلى ذلك، يُشدد على تحسين مستويات المعيشة وتقليل الفجوات الاجتماعية، وتوفير فرص العمل للشباب. في هذا السياق، يتم تحديد بعض المبادئ الأساسية التي تنطلق منها العملية السياسية اليمنية، وتتمثل في ضمان وحدة اليمن واستقلاله وسلامة أراضيه، واعتماد الدستور والقوانين الوطنية، بالإضافة إلى الالتزام بمخرجات الحوار الوطني (المسيرة، 2020).

وفي هذا السياق، أعلنت جماعة الحوثي عن استعدادها للتوقيع على خارطة الطريق المقترحة في يناير 2025، إلا أنها اتهمت الولايات المتحدة بمنع الحكومة اليمنية من توقيع الاتفاق، مما يعكس التحديات التي قد تواجه العملية السياسية في إطار التفاعل الدولي (عبده، 2025).

إضافة إلى ذلك، ترى جماعة الحوثي ضرورة الدخول في حوار مباشر مع الدول التي تعارضها، مثل السعودية والإمارات، لبحث وقف الحرب والتوصل إلى حلول شاملة للمشكلة اليمنية (أحمد، 2020).

تأسيسًا على ما سبق، تهدف التسوية السياسية الشاملة التي تسعى جماعة الحوثي إلى تحقيقها إلى بناء دولة يمنية مستقرة تُعنى بالعدالة والمساواة في توزيع السلطة والثروة، وتضمن للكل مشاركة فعالة في عملية صنع القرار. من خلال هذه التسوية، يتم السعي لبناء دولة قادرة على تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في جميع أنحاء اليمن.

 

10- تسليم الأسلحة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية:

تعتبر جماعة الحوثي أن تسليم الأسلحة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية من العناصر الأساسية في أي تسوية سياسية شاملة تهدف إلى إنهاء الصراع في اليمن وضمان الاستقرار في البلاد على المدى الطويل. إذ يرى الحوثيون أن تعزيز الأمن والسلام يتطلب بالضرورة تحويل الجيش والأجهزة الأمنية إلى مؤسسات مهنية ومحايدة، بعيدة عن أي انتماءات سياسية أو أيديولوجية، تعمل لصالح الشعب بأسره.

يشمل هذا المبدأ تفكيك التشكيلات العسكرية المسلحة التي تم تشكيلها خلال فترة النزاع، وتوفير آليات لإعادة دمج أفراد هذه التشكيلات في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الوطنية، بما يتماشى مع معايير العدالة والمساواة. كما يعتبر الحوثيون أن دمج التشكيلات العسكرية والأمنية في مؤسسات الدولة دون استثناء طرف يعزز من وحدة اليمن ويمنع أي طرف من استغلال القوة العسكرية لتحقيق مصالح سياسية أو فئوية.

من جانب آخر، يطالب الحوثيون بأن يتم تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى السلطات المعنية، تحت إشراف دولي أو إشراف الأمم المتحدة، لضمان عدم استخدامها في تجدد النزاع. وكان الحوثيون قد أبدوا جانبًا كبيرًا من المرونة خلال مشاورات الكويت، حيث اقترحوا تشكيل لجنة عسكرية وأمنية متفق عليها لتسليم الأسلحة من جميع الأطراف. وتؤكد الجماعة أن هذا الترتيب يجب أن يتم بشكل تدريجي وآمن، مع ضمان حماية المدنيين ومؤسسات الدولة من أي تهديدات أو هجمات.

يعتبر هذا الإجراء خطوة حيوية نحو بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، وتحقيق العدالة والمساواة في توظيف القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لخدمة كافة المواطنين دون تمييز أو تحيز. كما أن دمج التشكيلات العسكرية والأمنية سيسهم في تحقيق الاستقرار السياسي في البلاد، ويتيح الفرصة للتنمية وإعادة بناء مؤسسات الدولة بما يتماشى مع تطلعات الشعب اليمني في بناء دولة قوية ومستقرة.

في هذا السياق، ترى جماعة الحوثي أن تسليم الأسلحة ودمج التشكيلات العسكرية يشكل أحد الأركان المهمة في أي تسوية سياسية، حيث يضمن الحفاظ على الأمن، ويحمي الوطن من أي تهديدات أو تدخلات خارجية قد تقوض عملية السلام في اليمن.

 

11- إعادة الإعمار، وجبر الضرر عن المتضررين:

تشكل عملية إعادة الإعمار وجبر الضرر عن المتضررين حجر الأساس في رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية، حيث تعتبر الجماعة أن هذه القضية تمثل خطوة حيوية نحو تحقيق السلام الدائم والاستقرار في البلاد. فقد أدى النزاع المستمر إلى تدمير واسع في البنية التحتية، فضلاً عن التسبب في أضرار جسيمة للأفراد والمجتمعات في مختلف المناطق اليمنية. ومن هنا، ترى جماعة الحوثي أن عملية إعادة الإعمار يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية شاملة تهدف إلى إعادة بناء الدولة وتحقيق العدالة لجميع أطياف الشعب اليمني.

تركز الجماعة على ضرورة توفير خطط عملية لإعادة بناء ما دمرته الحرب، مع إعطاء الأولوية لإصلاحات البنية التحتية في القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء. وفي هذا السياق، تشدد الجماعة على أن عملية إعادة الإعمار يجب أن تتم بطريقة شاملة تضمن استدامتها وتضمن الوصول إلى كافة المناطق المتضررة دون تمييز، مع مراعاة التوزيع العادل للموارد.

أما بالنسبة لجبر الضرر عن المتضررين، فتسعى جماعة الحوثي إلى توفير تعويضات للمواطنين الذين تعرضوا للخسائر في الأرواح أو الممتلكات نتيجة النزاع. ترى الجماعة أن جبر الضرر يجب أن يكون شفافًا وعادلاً، ويشمل كل من تضرر من الحرب، سواء كانوا من المدنيين أو من الأفراد الذين فقدوا أرواحهم أو الذين دمرت ممتلكاتهم. كما ترى الجماعة أن هذه التعويضات يجب أن تتم في إطار من العدالة الاجتماعية، وتضمن حصول المتضررين على حقوقهم كاملة، ما يسهم في استعادة الثقة بين مختلف مكونات الشعب اليمني.

إعادة الإعمار، وفق رؤية جماعة الحوثي، لا تقتصر فقط على الجانب المادي، بل تشمل أيضًا تعزيز المصالحة الوطنية وبناء جسور الثقة بين الأطراف المختلفة. ذلك أن عملية جبر الضرر والإعمار تعد جزءًا لا يتجزأ من عملية السلام، حيث تساعد على التخفيف من آثار الحرب وتوفر للمتضررين فرصة لإعادة بناء حياتهم وتحقيق مستقبل أفضل.

وفي هذا السياق، تنص وثيقة الحل الشامل للجماعة  على الآتي (المسيرة، 2020 ، ص6):

أ‌- تلتزم دول التحالف بإعادة الإعمار وتعويض المتضررين.

ب‌- تلتزم دول التحالف بمعالجة الآثار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت بالمواطن اليمني، وجبر الضرر، ودعم الاقتصاد، ومعالجة وتعويض الجرحى والمعاقين والمرضى وأسر الشهداء ممن تم استهدافهم وسواءٌ أكان ذلك بمجازر أَو غيرها، وذوي الاحتياجات الخَاصَّة، وتجهيز مراكز العلاج والتأهيل النفسي.

 

12- الحفاظ على وحدة البلاد، وسيادتها، واستقلالها:

تعتبر جماعة الحوثي الحفاظ على وحدة اليمن وسيادته واستقلاله من المبادئ الأساسية التي يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار في أي تسوية سياسية شاملة. تؤكد الجماعة على ضرورة أن تظل اليمن دولة موحدة، بعيدة عن التفكك أو التقسيم، وذلك لضمان استقرارها السياسي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق، ترى الجماعة أن أي تسوية سياسية يجب أن تضمن احترام وحدة الأراضي اليمنية، وتمنع التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للبلاد.

كما ترى جماعة الحوثي أن سيادة اليمن واستقلاله يجب أن يكونا محط احترام من قبل جميع الأطراف المحلية والدولية. ويركز الحوثيون على أن أي تسوية سياسية أو اتفاقيات يجب أن تتم ضمن إطار يعزز السيادة الوطنية ويمنع فرض أي حلول أو شروط من قوى خارجية قد تهدد استقلالية الدولة اليمنية.

هذه الرؤية تسعى إلى ضمان أن يكون القرار اليمني سياديًا وحرًا، دون تأثيرات خارجية قد تخل بالاستقلال الوطني. وبذلك، تؤكد جماعة الحوثي أن الحفاظ على وحدة البلاد، سيادتها، واستقلالها يشكل جزءًا لا يتجزأ من أي مسار لتسوية سياسية تحقق السلام والاستقرار في اليمن.

وفي هذا السياق، يرى المجلس السياسي الأعلى لحكومة صنعاء أن اليمن يجب أن تتحول إلى “دولة يمنية حديثة، ديمقراطية مستقرة وموحدة ذات مؤسسات قوية تقوم على تحقيق العدالة والتنمية والعيش الكريم للمواطنين وتحمي الوطن واستقلاله وتنشد السلام والتعاون المتكافئ مع دول العالم” (المجلس السياسي الأعلى، د.ت، ص29).

 

في المجمل، يمكن القول إن أركان رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية تمثل إطارًا شاملًا يهدف إلى معالجة مختلف جوانب الأزمة اليمنية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. تتسم هذه الرؤية بالتركيز على إنهاء الحرب بشكل نهائي من خلال وقف إطلاق النار، وخروج القوات الأجنبية، وترتيب الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المتأزمة. كما تبرز الرؤية أهمية احترام السيادة الوطنية، إيقاف التدخلات الخارجية، وتقديم حلول شاملة للقضية الجنوبية، مع التأكيد على الشراكة العادلة في السلطة والثروة.

كما تسعى الجماعة إلى إقامة تسوية سياسية تعتمد على التعاون الإيجابي مع جهود الوساطة الخليجية والأممية، وكذلك تطوير إطار قانوني يضمن التوافق بين الأطراف المختلفة في ضوء الواقع اليمني الراهن. هذه الرؤية تؤكد على أهمية المصالحة الوطنية واستكمال مهام المرحلة الانتقالية، وتضمن الشفافية في تسليم الأسلحة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية، بالإضافة إلى إعادة الإعمار وجبر الضرر عن المتضررين.

على الرغم من الطموحات التي تقدمها هذه الأركان، فإن تطبيقها يتطلب معالجة العديد من التحديات الداخلية والخارجية، التي قد تؤثر على قدرتها في تحقيق الاستقرار الدائم في اليمن. ومع ذلك، تظل هذه الأركان موجهة نحو تحقيق تسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة البلاد، وتحافظ على سيادتها واستقلالها في المستقبل.

 

رابعا: الصعوبات والمعوقات:

تواجه رؤية جماعة أنصار الله (الحوثيين) للتسوية السياسية في اليمن العديد من المعوقات والتحديات التي تعرقل تنفيذها بشكل فعال. تتمثل هذه الصعوبات في العوامل السياسية والعسكرية التي تؤثر بشكل مباشر على عملية التسوية، بالإضافة إلى المعوقات الداخلية المرتبطة بطبيعة الجماعة ونظرتها الخاصة للحكم، وكذلك الارتباطات الخارجية التي تتداخل مع مشروع ما يُسمى بمحور المقاومة. إن هذه المعوقات تتفاوت بين قضايا تتعلق بالإرادة السياسية، وهيكلية الجماعة، وصولًا إلى تأثيرات التدخلات الإقليمية والدولية التي تزيد من تعقيد المسار السياسي في اليمن. وفي هذا السياق، يمكن تلخيص أبرز المعوقات والتحديات التي تواجه تنفيذ الرؤية في النقاط التالية:

أولا: الصعوبات:

١- صعوبات الحل السياسي:

تُعدُّ صعوبة الوصول إلى حل سياسي شامل من أبرز التحديات التي تواجه جماعة أنصار الله (الحوثيين) في تنفيذ رؤيتها للتسوية السياسية في اليمن. إذ يتطلب التوصل إلى اتفاق سياسي تنازلات متبادلة من جميع الأطراف المعنية، وهو ما قد يكون صعبًا في ظل الانقسامات السياسية والعسكرية العميقة داخل المجتمع اليمني. علاوة على ذلك، تتعاظم هذه الصعوبة بسبب تباين مواقف الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة، التي قد تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب الاستقرار السياسي في اليمن. لذلك، فإن إيجاد آلية للتفاوض مع الأطراف المختلفة بات أمرًا ضروريًا، بحيث تظل أهداف التسوية السياسية متوافقة مع مصالح الشعب اليمني وتستجيب في الوقت نفسه للضغوط الداخلية والخارجية على حد سواء.

وفي هذا السياق، تسعى جماعة أنصار الله إلى تحقيق تسوية سياسية، ولكن ذلك يتم من خلال عملية تتضمن تثبيت سلطتها وتوسيع نفوذها. وتركز الجماعة بشكل أساسي على مطالبها المتعلقة بفتح الموانئ والمطارات، وهو ما يُعتبر خطوة نحو الاعتراف الرسمي بها كسلطة أمر واقع. من هذا المنطلق، يتضح أن الحوثيين يرون التسوية السياسية كفرصة للاعتراف بحكمهم في اليمن ودعم مكاسبهم العسكرية والسياسية في ظل استمرار الصراع. ويرتبط هذا الموقف ارتباطًا وثيقًا برغبتهم في الحفاظ على سيطرتهم على المناطق التي يهيمنون عليها، ما يعقد إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تضمن استقرار البلاد (القدمي، 2023).

علاوة على ذلك، ترى جماعة أنصار الله أن أي تسوية سياسية تهدف إلى إعادة الأمن والاستقرار إلى اليمن في ظل حكومة لا تخضع لسيطرتها ستكون لها مآلات سلبية على الجماعة ومن يؤيدها. إذ تعتقد الجماعة أن مثل هذه التسويات ستؤدي إلى تهديد مكانتها السياسية، مما قد يدفعها إلى استخدام القوة والعنف للتمسك بمواقفها إذا شعرت أن التسوية لا تحقق مصالحها. هذا الموقف يعكس إصرار الجماعة على تحقيق أهدافها الخاصة دون التنازل عن عناصر قوتها التي تعتبرها أساسية لبقاء سلطتها. إذًا، فإن هذا التوجه يُمثل تحديًا حقيقيًا أمام أي تسوية سياسية قد تشمل تنازلات قد تؤثر على قوتها ونفوذها (القدمي، 2017).

بالإضافة إلى ذلك، يميل الحوثيون إلى انتزاع تسويات تصب في صالحهم دون تقديم المقابل المطلوب، وهو ما أصبح سمة مميزة لمسار السلام في اليمن. فقد استفادت الجماعة من الاندفاع الدولي، خصوصًا من السعودية والمجتمع الدولي، لاسترضائها، مما شكل أرضية ملائمة لها للحصول على أكبر قدر من المكاسب السياسية والعسكرية مقابل أقل قدر من التنازلات. يعكس هذا النهج عدم استعداد الحوثيين لتقديم تنازلات حقيقية ما لم تحقق التسوية مكاسب ملموسة لصالحهم، وهو ما يعقد التوصل إلى حل سياسي شامل يتناسب مع تطلعات جميع الأطراف (المذحجي، 2023).

في ضوء ما سبق، يتضح أن جماعة أنصار الله تواجه تحديات كبيرة تحول دون الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن استقرار اليمن. تتمثل أبرز هذه التحديات في تمسك الجماعة بمواقفها العسكرية والسياسية، إضافة إلى عدم استعدادها لتقديم تنازلات تضمن مصالح جميع الأطراف. في الوقت نفسه، يسعى الحوثيون لتحقيق تسوية سياسية تعترف بسلطتهم وتدعم مكاسبهم، وهو ما يعقد إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام. لذلك، يتطلب الحل السياسي في اليمن تنازلات متبادلة من جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك جماعة أنصار الله، لضمان تسوية عادلة تحقّق مصالح الشعب اليمني وتدعم استقرار البلاد.

 

٢- صعوبة التحول إلى حزب سياسي:

إن التحول إلى حزب سياسي يتطلب من جماعة أنصار الله التخلي عن بعض العناصر العسكرية التي تمثل جزءًا أساسيًا من هويتها، وهو ما قد يصطدم بمواقف بعض أعضائها الذين يرفضون التفريط في القوة العسكرية كوسيلة لحماية مصالحهم. هذا التغيير قد يكون صعبًا في ظل الظروف الراهنة التي تشهدها اليمن من انقسامات سياسية وعسكرية عميقة. كذلك، يتطلب التحول إلى حزب سياسي قدرة الجماعة على التكيف مع النظام السياسي المعترف به، والقبول بمبدأ التفاوض والاتفاقات السياسية التي تشمل جميع الأطراف الفاعلة في البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، قد تواجه جماعة أنصار الله صعوبة في بناء هيكل حزبي قادر على التأثير في الحياة السياسية المدنية، حيث سيتعين عليها التعاون مع أحزاب وقوى سياسية أخرى قد تكون لديها مواقف مختلفة تمامًا. هذه التحديات تعقد فرص نجاح الجماعة في عملية التسوية السياسية، حيث أن التحول من ميليشيا مسلحة إلى حزب سياسي يستلزم الكثير من التنازلات والمرونة التي قد لا تكون متاحة في ظل استمرار الضغوط العسكرية والسياسية.

 

٣- صعوبة تسليم السلاح:

بالنسبة لجماعة أنصار الله، التي تمتلك قوة عسكرية منظمة على الأرض، فإن تسليم الأسلحة أو دمج قواتها في الجيش الوطني قد يواجه صعوبات كبيرة. هذه العملية قد تكون مرفوضة من قبل الجماعة، إذ تخشى أن تؤدي إلى فقدانها للقدرة على الدفاع عن مصالحها أو التنازل عن مكاسبها العسكرية والسياسية. كما أن هناك تخوفات متبادلة من الطرف الآخر حول نزع الأسلحة، مما قد يؤدي إلى تصاعد التوترات الأمنية وإضعاف الوضع العسكري للجماعة، مما يصعب عملية التفاوض بين الأطراف المتصارعة.

وعلية يمكن، إنشاء لجنة عسكرية من مستقلين وممثلين للأطراف، مهمتها تسلّم الأسلحة من اللجان الشعبية والثورية التابعة للحوثيين، مع استثناء قوات الجيش اليمني السابق الموالية لهم والتابعة لوزارة الدفاع في صنعاء؛ إذ سيُصر الحوثيون في الحد الأدنى على معاملة تلك القوات أسوة بالقوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً من حيث عدم مطالبتها بتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة. (مركز الإمارات للسياسات، 2018).

من خلال هذه الآلية، يمكن ضمان الحفاظ على توازن القوى في مرحلة ما بعد الحرب، وفي الوقت نفسه تقديم ضمانات أمنية لشركاء التسوية السياسيين. يمكن لهذه الإجراءات أن تساهم في بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، مما يسهم في توفير بيئة أكثر استقرارًا لإتمام التسوية السياسية الشاملة.

وبصفة عامة، يمكن القول إن جماعة الحوثي تواجه مجموعة من الصعوبات الكبيرة التي تعيق الوصول إلى حل سياسي شامل في اليمن. تتمثل أبرز هذه الصعوبات في التحديات المرتبطة بالتمسك بالمواقف العسكرية والسياسية، وصعوبة التحول إلى حزب سياسي مدني قادر على التأثير في الحياة السياسية، إضافة إلى التعقيدات المتعلقة بتسليم الأسلحة ودمج التشكيلات العسكرية. ومن أجل تحقيق تسوية سياسية مستدامة، يتطلب الأمر تقديم تنازلات متبادلة من جميع الأطراف، بما في ذلك جماعة الحوثي، لضمان استقرار اليمن وتلبية تطلعات الشعب اليمني في مرحلة ما بعد الحرب.

 

ثانيا: المعوقات:

١- الحق الإلهي في الحكم:

تعتقد جماعة الحوثي أن حكمها مبني على الحق الإلهي المستمد من نسب آل البيت، وهو ما يعني أن السلطة يجب أن تكون في أيديهم دون غيرهم. هذه الرؤية تتناقض بشكل واضح مع مساعي بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على أسس المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان. ومن ثم، فإن هذه الفجوة الفكرية بين الأطراف المتنازعة قد تؤدي إلى صعوبة في بناء توافق سياسي شامل، حيث أن جماعة الحوثي قد تتمسك بمفهوم الحق الإلهي في الحكم، مما يعوق التوصل إلى حل سياسي يشمل جميع الأطراف.

عندما سيطر الحوثيون على صنعاء في 2014، أعلنوا قيام ثورة من أجل الشعب مستندين إلى ما يحكونه عن مظالم تعرضوا لها من الحكومات المتعاقبة منذ قيام الجمهورية اليمنية 1962م. بعد ثمان سنوات من سيطرتهم على مؤسسات الدولة ومعظم المحافظات ذات الكثافة السكانية كانت إدارتهم للسلطة أشبه بحكم “الإمامة” قبل قيام النظام الجمهوري (تقييم حالة، 2023).

على الرغم من أن الحق الإلهي في الحكم قد يكون أحد المبادئ التي تؤمن بها جماعة الحوثي، إلا أنه يظل مصدرًا للخلاف العميق مع باقي القوى السياسية في اليمن، والتي تتبنى النظام الجمهوري الديمقراطي. وعليه، من غير المرجح أن يكون هذا الفكر قابلاً للتوافق مع الأطراف الأخرى في عملية التسوية السياسية، حيث إن معظم اليمنيين قد اختاروا منذ فجر 26 سبتمبر النظام الجمهوري الديمقراطي ولن يتراجعوا عنه مهما طال الزمن. وبالتالي، نظريات التفوق العنصري والحكم السلالي والاستبداد الكهنوتي لن تكون مقبولة في ظل هذا المسار التاريخي الذي اختاره الشعب اليمني (الخضري، 2023، ص 78).

إن الحوثية نسخة مطورة من “الزيدية”؛ فالحوثية تنظر إلى نفسها اليوم بوصفها الوكيل الحصري والناطق الرسمي للزيدية السلطوية، كونها استطاعت إخراج المذهب “الزيدي” من دهاليز النسيان والخمول إلى واقع السلطة والتمكين؛ بصرف النظر عن مدى تطابقها مع الزيدية الأولى من الناحية الفكرية (الحضرمي، 2023، ص 112).

صحيح أن الحوثيين نجحوا في إعادة الزيدية إلى منصة الحكم، لكنهم أيضًا سمحوا باختراقها من قبل “الاثنا عشرية” الخمينية، فجاءت نسخة هجينة زادت “الجارودية” الزيدية المشوهة تشويها (المصدر السابق، 2023، ص 162).

وفي هذا الإطار، يؤكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على ضرورة ممارسة الضغوط القصوى على قيادة الحوثيين وداعميهم في إيران وتفكيك رؤيتهم المتخلفة القائمة على الحق الإلهي في حكم البشر والتعبئة العدوانية ضد دول الجوار، والديانات والحقوق والكرامة الإنسانية (الموقع بوست، 2023).

إجمالاً، ُيعد التمسك بمفهوم “الحق الإلهي في الحكم” من المعوقات الرئيسية التي تواجه التسوية السياسية في اليمن. هذا المبدأ يتعارض مع الأسس الديمقراطية التي يسعى إليها معظم اليمنيين، مما يزيد من تعقيد التوصل إلى حل سياسي شامل. لتحقيق تسوية مستدامة، يتطلب الأمر مرونة وتنازلات من جميع الأطراف لضمان استقرار البلاد وتحقيق تطلعات الشعب اليمني.

 

٢- الارتباطات الخارجية:

تتداخل التدخلات الإقليمية والدولية مع الشأن الداخلي، مما يعيق جهود الأطراف المحلية في الوصول إلى اتفاق شامل. تسعى بعض القوى الخارجية إلى دعم جماعات معينة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يحد من استقلالية القرار السياسي في اليمن. تتعدد هذه الارتباطات بين دعم عسكري وسياسي، مما يزيد من تعقيد الوضع الداخلي ويعوق بناء توافقات بين الأطراف اليمنية المتنازعة.

تتمتع جماعة الحوثي بعلاقات أيديولوجية، سياسية وعسكرية وثيقة مع إيران، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع في اليمن. على الرغم من وجود بعض الفوارق في المصالح بين الطرفين، فإن التعاون بينهما يعد حيويًا لمصالح كل منهما. كما أن جماعة الحوثي تواصل تعزيز هذه العلاقات في إطار الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، مما يعكس تأثيرها الكبير على مسار الأحداث في اليمن. “ترتبط جماعة الحوثي بإيران عبر روابط أيديولوجية، وسياسية، وعسكرية، لكنها لا تعني – في كل الأحوال- التطابق الكامل، إلا أن ثمة جهودًا حثيثة لتعزيز ذلك، وتطويره بين الجانبين” (الذهب، 2012، ص 80).

ومع أن الحوثيين ينتمون إلى محور المقاومة الذي تدعمه إيران، إلا أن هناك هامشًا من الاستقلالية في قراراتهم، وهو ما يتيح لهم القدرة على التأثير في تحركاتهم بشكل مرن. هذا الاستقلال لا يعني قطع علاقتهم بإيران، بل يعكس رغبتهم في الاستفادة من هذه العلاقة بما يخدم مصالحهم السياسية والعسكرية. “على الرغم من العلاقة التحالفية التي تجمع الحوثيين بإيران، وما يصطلح عليه بمحور المقاومة عمومًا، إلا أنهم يتمتعون بهامش استقلال واضح. وهو هامش مفتوح يتسع كلما أرادوا ذلك. ومع هذا فالتزامهم بهذه العلاقة واستحقاقاتها يظل عميقًا؛ هو التزام بتكريس على استمرار الحرب؛ فاستمرار الحرب يعني زيادة الحاجة لإيران والبقاء داخل محور المقاومة” (الذهب، 2021، ص106).

علاوة على ذلك، يُظهر الحوثيون استعدادًا للتعاون مع إيران في مجالات متعددة، بينما لا يزال كل طرف يحافظ على استقلال قراره السياسي والتوجهات الاستراتيجية الخاصة به. “فالعلاقة بين الطرفين- جماعة الحوثي وإيران- علاقة توافق، وتعاون، يستقل فيها كل طرف بقراره ومشروعه وأفكاره” (الخضري، 2023، ص65).

بالنسبة لموقف جماعة الحوثي، فإن الولاء الوطني لديها يعتبر ضعيفًا بسبب غياب الانتماء الجغرافي والتاريخي لليمن، حيث أن ولاءها محصور بالأسرة السلالية. هذا الولاء الضيق يعوق جهود بناء دولة يمنية موحدة تسعى لاستيعاب جميع اليمنيين، مما يدفع الجماعة إلى تشكيل مؤسسات موازية تتناقض مع مؤسسات الدولة. ولعل هذا يعكس حقيقة أن الولاء الوطني لدى جماعة الحوثي يتلاشى نتيجة لعدم شعورها بالانتماء لليمن، تاريخيًا وجغرافيًا، حيث يقتصر انتماؤها وولاؤها على السلالة فقط، وبالتالي لا تسعى لبناء دولة وطنية تتسع لكل اليمنيين، بل تعمل عن قصد على انهيار مؤسسات الدولة وبناء مؤسسات موازية خاصة بها.

من جانب آخر، تشكل العلاقة بين إيران والحوثيين ركيزة أساسية للمصالح الاستراتيجية الإيرانية، حيث تعتمد طهران على الحوثيين في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين. في هذا السياق، يعتبر الحوثيون من أفضل الخيارات بالنسبة لإيران بسبب بعدهم الجغرافي عن إيران، وقربهم من خصومها الخليجيين، فضلاً عن استعدادهم لتنفيذ مهام معينة تدعم مصالح إيران في المنطقة. “وبالنسبة لإيران، فهي اليوم بحاجة لتوظيف الورقة اليمنية والتبعية الحوثية لمواجهة خصومها ومواجهة الضغوط الدولية المفروضة عليها، ولذلك فقد اكتسب تحالفها مع الحوثيين، والصراع اليمني تالياً، أهميةً متزايدةً لديها، خصوصًا أن الحوثيين يتمتَّعون بمزايا عديدة تجعلهم الخيار الأمثل لتلبية احتياجات النظام الإيراني؛ فهم بعيدون جغرافيًّا عن إيران وقريبون من خصومها الخليجيين، وهم الأقل كلفةً وعلى استعداد للقيام بالمهام التي تقترحها طهران” (وحدة الدراسات اليمنية، 2020).

 

٣- اقتصاد الحرب:

يعتمد العديد من الأطراف المتصارعة في الحرب على اقتصاد الحرب، الذي يستمد موارده من عدة مصادر، بما في ذلك الدعم الخارجي واستغلال الموارد المحلية. بالنسبة لجماعة الحوثي، يعد هذا الاقتصاد جزءًا أساسيًا من استراتيجيتهم للبقاء وتعزيز قوتهم في الميدان. فالحرب تتيح لهم الاستفادة من التدفقات المالية والدعم العسكري الذي يحصلون عليه، سواء من إيران أو من موارد محلية ومناطق تحت سيطرتهم. يخلق هذا الوضع تحديًا إضافيًا في مسار التسوية السياسية، حيث يساهم استمرار النزاع في الحفاظ على اقتصاد الحرب، مما يثني بعض الأطراف عن السعي نحو حلول سلمية تهدف إلى تحقيق الاستقرار بعيدًا عن المصالح الاقتصادية المرتبطة بالصراع.

وفي هذا السياق، استقطب الحوثيون الدعم الإيراني لبناء مشروعهم، في الوقت الذي استفادوا فيه من التيارات الهاشمية ككتلة بشرية ذات حضور كبير وفاعل ومؤثر في مؤسسات الدولة والمجتمع، خصوصًا في مناطق شمال الشمال. (الحضرمي، 2023، ص125).

هذه الديناميكية تعزز قدرة الجماعة على الاستمرار في الحرب، مما يزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية سياسية قابلة للتطبيق. فاستمرار الحرب يضمن لهم موارد مالية وعسكرية ضرورية لبقاء قوتهم في السلطة. وبالتالي، يبقى الاقتصاد الحربي عقبة كبيرة أمام أي اتفاق سياسي دائم. ومن أجل تجاوز هذه العقبة، يجب أن تتضمن الحلول المستقبلية خططًا شاملة لإعادة الإعمار وإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني بما يضمن المصالحة الوطنية ويحقق التوافق بين جميع الأطراف.

 

٤- غياب الإرادة الصادقة:

يتضح هذا المعوق من خلال مواقف بعض الأطراف المحلية والإقليمية التي قد تسعى إلى الحفاظ على مصالحها الخاصة، سواء من خلال استمرار النزاع أو عبر عرقلة الوصول إلى اتفاقات شاملة. يعكس ذلك غياب الثقة بين الأطراف المختلفة، ما يؤدي إلى تعقيد المفاوضات وعرقلة الحلول السلمية.

في هذا السياق، حملت الحكومة اليمنية جماعة الحوثي المسؤولية عن عدم تحقيق السلام في البلاد، متهمة إياها برفض كافة الجهود الإقليمية والدولية الساعية لإنهاء الأزمة اليمنية. ووفقًا للحكومة، فإن الحوثيين لا يظهرون رغبة حقيقية في السلام، حيث يواصلون التصعيد العسكري في مختلف الجبهات، بالإضافة إلى شن حرب اقتصادية ممنهجة ضد الشعب اليمني. “وحملت الحكومة اليمنية الحوثيين المسؤولية عن عدم تحقيق السلام، واتهمتهم برفض كل الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة اليمنية، وعدم رغبتهم في السلام وانخراطهم بجدية مع هذه الجهود، مع الاستمرار في تعنتهم وتصعيدهم العسكري في مختلف الجبهات وحربهم الاقتصادية الممنهجة ضد الشعب” (الشرق الأوسط، 2024).

وفي ضوء هذا الوضع، يصبح تحقيق السلام في اليمن أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت. تتزايد التعقيدات التي تواجه عملية السلام في اليمن وتصبح أكبر مما كانت عليه في السابق، خاصة عند مقارنة الوضع الحالي بمشاورات الكويت (2016) والسويد (2018). حيث يبدو أن مواقف أطراف الصراع الحالية تسير في الاتجاه المعاكس لما تصبو إليه جهود السلام وفرصه. “فتعقيدات السلام في اليمن أصبحت أكبر ممَّا كانت عليه عند انطلاق مشاورات الكويت (2016) والسويد (2018)، وما يجري اليوم على الأرض وما تشي به مواقف أطراف الصراع يسير بالضد من جهود السلام وفرصه” (وحدة الدراسات اليمنية، 2020).

 

٥- تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية:

هذا التصنيف لا يُقتصر على تأثيره في العلاقات الدولية فحسب، بل يمتد ليؤثر في العملية الداخلية أيضًا. فبينما تدافع جماعة الحوثي عن نفسها وتنفي ارتباطها بالأنشطة الإرهابية، ترى العديد من الدول أن تصرفاتها، خاصة فيما يتعلق بالتنفيذ العسكري والهجمات ضد المدنيين والبنية التحتية، تُعد انتهاكًا للقوانين الإنسانية الدولية، مما يضع الجماعة في قائمة المنظمات الإرهابية.

إن هذا التصنيف يفرض تحديات كبيرة على جهود السلام، حيث إنه يُقيد الحوار مع جماعة الحوثي، خاصة مع الأطراف الإقليمية والدولية التي تلتزم بهذا التصنيف. ويؤدي ذلك إلى تعزيز العزلة السياسية والاقتصادية للجماعة، مما يقلل من فرص التوصل إلى تسوية سياسية تُنهي الحرب الدائرة. فضلاً عن ذلك، فإن التصنيف يعزز من حالة الاستقطاب بين الأطراف المتصارعة، ويؤدي إلى زيادة التوترات العسكرية والضغط الدولي، مما يجعل من الصعب على الأطراف اليمنية إيجاد أرضية مشتركة للحوار.

يأتي هذا القرار في أحد أبعاده ليس ارتباطًا فقط بنظرة الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه الجماعة الحوثية، ولكن على وقع الضغوط الإسرائيلية وتداعيات التصعيد الأخير في المنطقة، وذلك على مستويات متعددة. فهذا القرار يأتي كرد فعل ومقاربة للتعامل مع التهديدات الحوثية لمنطقة البحر الأحمر والملاحة البحرية، فضلاً عن الاستهدافات المتكررة للعمق الداخلي الإسرائيلي” (فوزي، 2025).

هذا التصنيف يساهم في تعميق الانقسامات، ويجعل من الصعب بناء ثقة بين الأطراف المختلفة، سواء داخل اليمن أو على المستوى الدولي، مما يعوق الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي ينهي النزاع بشكل عادل ومستدام.

يتضح من ما سبق أن المعوقات التي تواجه التسوية السياسية في اليمن معقدة ومتعددة الأبعاد، حيث تتداخل العوامل الفكرية والإقليمية والاقتصادية التي تعيق التوصل إلى حل شامل. أبرز هذه المعوقات هو تمسك جماعة الحوثي بمفهوم “الحق الإلهي في الحكم” والارتباطات الخارجية التي تؤثر في مجريات الصراع، إضافة إلى استمرار اقتصاد الحرب وغياب الإرادة الصادقة لدى بعض الأطراف. وبالتالي، فإن الوصول إلى تسوية سياسية يتطلب مرونة وتنازلات من كافة الأطراف لتحقيق استقرار مستدام وتلبية تطلعات الشعب اليمني.

 

خامسًا: النتائج والتوصيات:

أولا: النتائج:

تستعرض نتائج هذه الورقة التحليلية تطور رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية في اليمن، استنادًا إلى مجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية التي أسهمت في تعزيز نفوذها وتوسيع سيطرتها، مع التركيز على الأبعاد المختلفة التي تؤثر في مسارها. كما تؤكد على أهمية تطبيق حلول واقعية تراعي الواقع اليمني الراهن. ويمكن إجمال هذه النتائج على النحو التالي:

١- نجحت جماعة الحوثي في توسيع نفوذها بشكل كبير منذ سيطرتها على صنعاء في عام 2014، مستفيدة من الظروف الداخلية والإقليمية، مما جعلها لاعبًا رئيسيًا في الصراع اليمني.

٢- تطالب جماعة الحوثي بضرورة إنهاء الحصار وإعادة فتح الموانئ والمطارات، مما يعكس سعيها لتحسين الوضع الإنساني والاقتصادي في البلاد من خلال تسهيل حركة البضائع والمساعدات الإنسانية.

٣- يعتمد الحوثيون على اقتصاد الحرب الذي يوفر لهم موارد مالية وعسكرية، ما يساهم في استمرار النزاع ويعيق التوصل إلى تسوية سياسية شاملة. استمرارية الحرب تعني استمرارية الاقتصاد الحربي، مما يضعف فرص تحقيق السلام المستدام.

٤- تواجه جماعة الحوثي تحديات اقتصادية وإنسانية هائلة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مما يعوق قدرتها على تنفيذ مقترحاتها بشكل فعال.

٥- يعد التمسك بمفهوم “الحق الإلهي في الحكم” من المعوقات الرئيسية التي تعرقل التسوية السياسية في البلاد ، حيث يتناقض مع نظام الحكم الجمهوري الديمقراطي الذي اختاره الشعب اليمني. هذا الموقف يعوق بناء توافق سياسي شامل بين الأطراف المختلفة.

٦- يواجه مشروع جماعة الحوثي الديني الطائفي، القائم على السلالة، رفضًا واسعًا من قبل اليمنيين، مما يؤدي إلى إعاقة تطور التسوية السياسية التي قد تجمع كافة الأطراف.

٧- يجب أن تُبنى أي مصالحة وطنية بين الأطراف اليمنية المختلفة على أساس الشراكة العادلة في السلطة والثروة.

٨- تتمسك الجماعة بموقف سياسي يشدد على سيادة اليمن ورفض التدخلات الخارجية، لكنها في الوقت ذاته ترتبط بشكل وثيق بالمشروع الإيراني في المنطقة، مما يعقد المسار السياسي.

بناءً على ما تم تحليله، يتضح أن جماعة الحوثي تمكنت من فرض وجودها السياسي والعسكري على الساحة اليمنية، مما جعلها أحد الأطراف الرئيسية في النزاع. إلا أن الصعوبات الاقتصادية، المعوقات الدينية والسياسية، إضافة إلى الارتباطات الإقليمية، تشكل تحديات كبيرة أمام تنفيذ رؤية التسوية السياسية الشاملة. للوصول إلى تسوية مستدامة، يتطلب الأمر التوصل إلى توافق عادل يشمل جميع الأطراف، مع التركيز على معالجة القضايا الاقتصادية والإنسانية وتنفيذ آليات واضحة لتحقيق السلام.

 

ثانيا: التوصيات:

تسعى هذه التوصيات إلى تقديم مجموعة من الحلول العملية التي يمكن أن تساهم في الوصول إلى تسوية سياسية شاملة ومستدامة في اليمن. بناءً على التحليل المعمق لرؤية جماعة الحوثي وآليات تنفيذها، تأتي هذه التوصيات لتعزيز فرص السلام في البلاد، مع التركيز على معالجة القضايا الإنسانية والاقتصادية، وتشكيل بيئة سياسية شاملة تضمن التوافق بين الأطراف المختلفة. وعليه، يمكن إيجاز هذه التوصيات على النحو التالي:

١- يجب أن تكون المرحلة المقبلة مركزًا على معالجة الوضع الإنساني والاقتصادي المتدهور، من خلال توفير المساعدات الإنسانية، وإعادة بناء البنية التحتية، وتطوير القطاعات الاقتصادية الأساسية.

٢- من المهم أن تبدي جماعة الحوثي استعدادًا للتنازل عن بعض مواقفها المتصلبة في سبيل التوصل إلى تسوية سياسية أكثر شمولية، لا تقتصر على مصالح طرف واحد.

٣- يجب على جميع الأطراف المتنازعة في اليمن، بما في ذلك جماعة الحوثي، تقديم تنازلات سياسية حقيقية لتسهيل الوصول إلى حل سياسي شامل. يتطلب هذا التوجه مرونة في مواقفهم، بما في ذلك الاعتراف بمبادئ الديمقراطية والمواطنة المتساوية.

٤- يجب ضمان تمثيل جماعة الحوثي في العملية السياسية، سواء من خلال حكومة وحدة وطنية أو عبر اتفاقات لتقاسم السلطة المؤقتة، مع التأكيد على إجراء انتخابات شاملة في المستقبل.

٥- ضرورة العمل على تشكيل لجنة مستقلة تعمل على تحقيق مصالحة وطنية تشمل جميع الأطراف، بما في ذلك معالجة القضية الجنوبية بطريقة عادلة تضمن حقوق كافة الفئات.

٦- من الضروري أن تتوصل جميع الأطراف إلى حل يُعترف فيه بمبدأ السيادة الشعبية، مع استبعاد أي دعاوى دينية أو سلالية تؤثر في العملية السياسية. يجب أن يتم هذا ضمن إطار التسوية الشاملة التي تحترم حقوق الجميع.

٧- من المهم أن تواصل الأمم المتحدة دورها في الوساطة بين الأطراف اليمنية وضمان تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالهدنة وفتح المنافذ، مع تقديم الدعم اللازم لضمان تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والإنسانية.

٨- ينبغي أن يكون لدى اليمن استراتيجية واضحة لإدارة علاقاتها الإقليمية والدولية بما يضمن استقلالية القرار السياسي. ويجب العمل على تقليص التأثيرات السلبية للتدخلات الخارجية في الشأن اليمني، بما يساهم في تعزيز الأمن والاستقرار في البلاد.

إجمالًا، تعد هذه التوصيات دعوة لتحقيق تسوية سياسية شاملة في اليمن ترتكز على التفاهم والمرونة بين جميع الأطراف، بما في ذلك جماعة الحوثي. ومن خلال تنفيذ هذه التوصيات، يمكن تعزيز فرص السلام والاستقرار في اليمن، وضمان حقوق جميع الفئات، مع الحفاظ على سيادة البلاد واستقلال قرارها السياسي.

 

سادسا: الخاتمة:

من خلال استعراض ما سبق، يمكن القول إن رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية تمثل بعدًا رئيسيًا من أبعاد الصراع المستمر في اليمن، حيث تتداخل مع الجوانب السياسية والعسكرية في البلاد. في هذه الورقة، تم تسليط الضوء على المواقف المختلفة التي تعكس رغبة الحوثيين في إعادة تشكيل المشهد السياسي بما يتماشى مع تطلعاتهم، بالإضافة إلى التحديات التي قد تواجه هذه التسوية في ظل الوضع الراهن.

تسعى جماعة الحوثي إلى تسوية سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل السلطة في اليمن وفقًا لمواقفها الاستراتيجية، مع التأكيد على ضرورة إلغاء النظام السياسي السابق الذي يعتبرونه جزءًا من المشكلة. كما تسعى لتعزيز مكانتها الداخلية والإقليمية مستفيدة من الدعم الذي تتلقاه من بعض القوى الإقليمية. ومع ذلك، تبرز العديد من العوائق أمام هذه الرؤية، مثل رفض الأطراف الأخرى هيمنة الحوثيين على الساحة السياسية، بما في ذلك الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والتحالفات الإقليمية والدولية.

على الرغم من ذلك، تبقى القوى الإقليمية والدولية لاعبين رئيسيين في التأثير على مسار التسوية السياسية. مصالح هذه القوى تداخلت بشكل معقد مع مواقف الحوثيين والأطراف الأخرى، مما يزيد من صعوبة التوصل إلى اتفاقات مستقرة. لذلك، يظل التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة أمرًا بالغ الأهمية، لكن يتطلب ذلك نهجًا مرنًا يوازن مصالح جميع الأطراف المعنية ويضمن إشراك القوى السياسية في عملية حوار شاملة.

يفترض أن تشكل هذه الرؤية نقلة نوعية نحو عملية السلام الشاملة والمستدامة في اليمن. ومع أن جماعة الحوثي كانت من الأطراف الرئيسية في إشعال الصراع، إلا أنه من الضروري أن تكون جزءًا أساسيًا من أي عملية سلمية مستقبلية. لا يمكن الوصول إلى سلام دائم إلا من خلال إشراك الحوثيين في العملية السياسية وتوزيع السلطة والثروة بشكل عادل، وهو ما يتطلب تقديم تنازلات من جميع الأطراف المعنية.

وعلية، فإن من الضروري أن تستمر الجهود الدولية والمحلية لتوفير آليات للتسوية الشاملة، مما يساهم في إحلال السلام والاستقرار في اليمن. لا يمكن لأي عملية سلام مستقبلية أن تكون فعّالة إلا إذا تم إشراك الحوثيين في السلطة والثروة، مع ضرورة تقديم تنازلات من جميع الأطراف. على هذا الأساس، يمكن بناء عملية مصالحة وطنية تمهد الطريق لاختيار سلطات شرعية في البلاد تضمن مستقبلًا أفضل للشعب اليمني.

 

قائمة المصادر والمراجع

اولا : المصادر:

١- اتحاد الرشاد اليمني.( 2013، 8 يونيو )”رؤية أنصــار الله لجذور القضية الجنوبية” ،موقع اتحاد الرشاد اليمني، استرجع في 11مارس 2025، من : https://alrshad.net/?p=3535

٢ – المجلس السياسي الأعلى. (د.ت). الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة. جامعة الملكة أروى. استرجاع من : https://qau.edu.ye/ebook/264

٣ – المسيرة. (2020، 12 أبريل)” مقترح وثيقة الحل الشامل لإنهاء الحرب على الجمهورية اليمنية”،صحيفة المسيرة ، استرجع في 16 مارس 2025 ، من : https://www.almasirahnews.com/52203

 

ثانيا المراجع :

اولا : الرسائل العلمية:

١- صفا، كمال. (2018). الأزمة اليمنية، أسبابها، أبعادها وطرق تسويتها (رسالة ماجستير). الجامعة اللبنانية، كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية، الجيش اللبناني، مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية.

ثانيا : الدراسات:

١-  الذهب، علي. (2021). الارتباطات الخارجية لقوى الصراع في اليمن وتداعياتها على صنع السلام. في بناء السلام في اليمن: تجارب- مؤثرات- شروط (ط. 1). مركز المخأ للدراسات الاستراتيجية، من : https://wp.me/pghRh9-Rq

2 – الخضري، أنور بن قاسم. (2023). الحوثيون… جسد الإمام الهادي وروح الولي الفقيه. في الحوثيون والزيدية: التطويع والممانعة (ص 78- 65 ). مركز المخأ للدراسات الاستراتيجية. تم الاسترجاع من: https://wp.me/pghRh9-217

3 – الحضرمي، حامد (2023). الحوثية وتطويع الزيدية سياسيًا. في الحوثيون والزيدية: التطويع والممانعة (ص 112 – 162 -125 ). مركز المخأ للدراسات الاستراتيجية. تم الاسترجاع من: https://wp.me/pghRh9-217

4 – تقيم حالة.( 2023، 21يوليو). “لماذا تقاوم جماعة الحوثي السلام وتهرب إلى الحرب؟”. مركز أبعاد للدراسات والبحوث الاستراتيجية. من : https://abaadstudies.org/policy-analysis/topic/59963

ثالثا : التقارير:

1- حمود ، يوسف( 2023، 21 مايو).” رفضوا المرجعيات الـ3″.. هل تراجع الحوثيون عن مسار حل أزمة اليمن؟”.الخليج أونلاين .استرجع في 11 مارس 2025، من : https://khaleej.online/baJwM4

2 – Sameai، Mohammed (2023) ، ” 3 مرجعيات للحل باليمن (إطار) ،Anadolu Ajansı ، استرجع في 11 مارس 2025، من : https://short-link.me/VRBY

 

رابعا: المواقع الإلكترونية

١ – أحمد ، زكريا.(2020، 24مارس).” 5 شروط حوثية للدخول في مشاورات سلام باليمن، العربي الجديد، تاريخ الاسترجاع 8مارس2025،  من: https://short-link.me/VoKF

٢ – الشرق الأوسط. (2024، 12 ديسمبر).”اليمن يستبعد تحقيق السلام مع الحوثيين لعدم جديتهم. استرجع في  6 مارس 2025، من: https://short-link.me/UXAc

٣ – القدمي ، د. حمود ناصر .( 2023، 7 فبراير).” فجوات الثقة:لماذا لا يزال السلام بعيد المنال في اليمن؟، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. استرجع في 6 مارس 2025، من : https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/7994

٤ – القدمي،د. حمود ناصر.( 2017، 29 يناير).”رؤية من الداخل:الأسباب التسعة لتعثر تسوية الصراع في اليمن، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، تاريخ الاسترجاع 8مارس2025،  من: https://short-link.me/Voli

٥  – المذحجي ، ماجد .( 2023، 19 سبتمبر).”المفاوضات السعودية – الحوثية: الفرص والمخاطر “، في قراءة في أبعاد الزيارة الرسمية لوفد من جماعة الحوثيين إلى الرياض لإجراء مباحثات مع الجانب السعودي،  مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، تاريخ الاسترجاع  8مارس2025،  من: https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/20911

٦ – الموقع بوست.(2023، 16 فبراير ).”العليمي يؤكد صعوبة الوصول إلى سلام في اليمن قبل تفكيك رؤية الحوثيين المتخلفة” موقع اخبار اليمن الان،  .تاريخ الاسترجاع 8مارس 2025،من : https://yemennownews.com/article/2092232

٧ – عبده، محمد  (2025، 14 فبراير). “ما تأثير تصنيف واشنطن الحوثيين ‘منظمة إرهابية’ على السلام باليمن؟”. الجزيرة نت. استرجع في 5 مارس 2025، من : https://aja.ws/5rron1

٨ – فوزي،محمد.(2025، 1يناير).”أبعاد وتداعيات تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية “،سوث24، استرجع في 12مارس 2025، من : https://south24.net/news/newse.php?nid=4453

٩ –  مركز الإمارات للسياسات.(2018 ، 22يوليو).”سلاح الحوثيين وجهود التسوية السياسية في اليمن، استرجع في 6 مارس 2025، من: https://epc.ae/ar/details/brief/political-settlement-and-houthi-disarmament-in-yemen

١٠ – وحدة الدراسات اليمنية.( 2020، 8 مارس ).” مستقبل جهود الأمم المتحدة لإحياء مسار الحل السياسي في اليمن. تاريخ الاسترجاع 8 مارس 2025، من : https://epc.ae/ar/details/brief/united-nations-efforts-to-revive-prospects-for-political-solution-in-yemen

 

ملاحظة: هذه الكتابة تعبر عن توجهات وأفكار الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن سياسات واتجاهات المنتدى.

 

مـشاركة الـرابط عبر الــــــــبـرامج التالية

رؤية جماعة الحوثي للتسوية السياسية في اليمن – كتابة سياسية

إرسال التعليق