المرأة اليمنية احتفاء وسط المعاناة وثروة مهدرة – افتتاحية المنتدى
Share the post "المرأة اليمنية احتفاء وسط المعاناة وثروة مهدرة – افتتاحية المنتدى"
مع مرور اليوم العالمي للمرأة، نتقدم إلى النساء اليمنيات بالتهنئة والعبارات الإيجابية تجاه صمودها أمام آثار الحرب، في الوقت الذي يعشن فيه أوضاعًا مأساوية في أرجاء البلاد، في خصوصية مختلفة لا تشابهها حالة نساء أي من بلدان العالم.
الصراع المستمر في اليمن لأكثر من عقد ترك آثارًا واسعة على السكان في البلاد، وألقى بظلاله على مختلف فئات المجتمع، بما في ذلك فئة النساء، التي تعتبر الفئة الأكثر تضررًا من الواقع القائم.
عانت المرأة اليمنية من حالة التهميش طوال عقود، رغم القوة البشرية التي يشكلها المكون النسوي في البلاد، إلا أنّها كانت أقل حضورًا؛ لخضوعها لقيود سياسية واجتماعية وقانونية واقتصادية، أسّست لإخراجها من دائرة الإنتاج والتأثير.
وضاعفت الحرب القائمة في البلاد منذ 2014م الحالة الهشة التي عانت منها المرأة اليمنية سابقًا، بشكل كبير، فانتقلت من مرحلة “مقاومة التهميش” إلى “المعاناة المعيشية”، الأمر الذي يجعل المجتمع في حالة أقل استقرارًا، باعتبارها -أي المرأة- الحلقة الأساسية في تكوين الأسرة والمجتمع.
هذه المعاناة التي تكسر إرادة المرأة اليمنية تشكل أزمة إنسانية بالغة السوء، حيث وصلت مستويات غير مسبوقة. وحسب “منظمة الأمم المتحدة”، تعاني النساء اليمنيات من وضع حاد في الأمن الغذائي والوضع الصحي، حيث أن ما يزيد عن عشرة ملايين منهن يحتجن لمساعدات منقذة للحياة، وتعاني قرابة مليون ونصف المليون امرأة حامل وأم جديدة من سوء التغذية، مما يعرض صحتهن للخطر، ويعرض أطفالهن للأمراض ومشاكل النمو طويلة الأجل. وكذلك، يعتبر معدل وفيات الأمهات اليمنيات هو الأعلى في الشرق الأوسط، كأحد المآلات الأكثر مأساوية في المنطقة. ومن الناحية النفسية والسلامة الجسدية، فإن أكثر من ستة ملايين امرأة وفتاة يمنية يعانين من مخاطر متزايدة من الإيذاء والاستغلال، وكما أن قرابة ثلث الفتيات يتزوجن قبل سن 18 عاما، مما يسلبهن طفولتهن وتعليمهن ومستقبلهن. وفي الجانب التعليمي، لا يزال مليون ونصف المليون فتاة يمنية خارج المدرسة، مما يحرمهن من حقهن في التعليم، ويمنعهن من كسر حلقات التمييز والعنف التي تواجههن. أما على الصعيد الحقوقي، فحسب تقرير المركز الأميركي للعدالة حول المرأة، إن الانتهاكات الموثقة بحق النساء اليمنيات تجاوزت 8,400 حالة خلال عام 2024م”، من بينها 1,900 حالة اعتقال تعسفي. وفي الجانب الاقتصادي، فكانت النساء اليمنيات الأقل حضورًا، بشكل لا يكاد يُذكر؛ بسبب غياب الفرص في سوق العمل، وشحة برامج ومبادرات التمكين الاقتصادي للمرأة.
الحالة التي تمر بها النساء اليمنيات مأساوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وتتطلب العمل بشكل جماعي يقوم على تآزر الجهات الفاعلة؛ لانتشالهن من دائرة المعاناة.
يجب على الحكومة الشرعية (المعترف بها دوليًا) العمل على احتواء معاناة النساء المتزايدة بشكل مضطرد، والبدء بمعالجتها بشكل مدروس ومنتظم، من خلال رسم استراتيجيات طويلة الأمد ركيزتها الأساسية المرأة اليمنية، مسنودة بتخصيص لجان وإدارات فرعية تُعنى بها بشكل خاص وتمكينها من القيام بأعمالها، بدعم حكومي كافٍ يتناسب ومستوى الكارثة التي تعيشها النساء اليمنيات، وفي مقدمتها الوضع الإنساني والمعيشي والحقوقي والسياسي. وتعتبر الخطوات التي اتّخذها مجلس القيادة الرئاسي ورئيس مجلس الوزراء في تمكين المرأة سياسيًا من خلال إشراكها مؤخرًا في الحكومة أمر إيجابيًا يأتي في المسار الصحيح، ويجدر الاستمرار بهذا النهج للوصول إلى مستويات أعلى تتكافأ نسبيًا والطاقة البشرية للنساء اليمنيات. يجب أن يستمر الاعتراف بأهمية دور النساء اليمنيات وحقهن في ذلك، وصولًا إلى تكريس ذلك على شكل إجراءات قانونية، من خلال إلغاء أي قواعد قانونية تعيق المرأة، وسن القوانين التي تضمن لها سقف مشاركة ثابت في الواقع السياسي في اليمن، والمشاركة الإدارية وكفالة الحقوق المدنية، بإقرار نسب “الكوتا النسائية”.
ندعو المنظمات والوكالات الدولية العاملة في اليمن إلى تكثيف جهودها المتعلقة بالمرأة اليمنية، وعمل سياسات مخصصة لمعالجة الوضع المأساوي الذي تمر به، تقوم على تقديم المساعدات التي تلبي احتياجاتها بمختلف المجالات، وتغطي هذه الاحتياجات بشكل كلي حسب الحاجة، وليس جزئيًا، إضافة إلى العمل بالتنسيق المشترك مع الجانب الحكومي لتحقيق الغايات المُنقذة للنساء اليمنيات.
ويقع على عاتق الأطراف والمكونات السياسية في البلاد مسؤولية مشتركة في الارتقاء بحالة المرأة اليمنية، بتخصيص الاهتمام بهن، وإشراكهن في مراكز التأثير داخليًا أو محليًا، وتضمين احتياجاتهن في أجندة هذه الأطراف بشكل ثابت.
ويُعول على المجتمع المدني والشخصيات الاجتماعية الإسهام في تعزيز الوعي بدور المرأة اليمنية، من خلال إقامة الفعاليات وتقديم خطاب يبدد القيود الاجتماعية، التي جعلت النساء أقل قدرة على مواجهة آثار الصراع والحالة الهشة التي يتعايشن معها.
المرأة اليمنية جزء من الواقع اليمني، لا ينفصل عنه، سواء في حالة الاستقرار أو الصراع، وهي عنصر أساسي في التنمية المنشودة في البلاد. وفي الحقيقة، لا يمكن الارتقاء بالوضع في اليمن بدون إدراك أهمية دور المرأة والارتقاء بحالتها، واستثمار طاقاتها وخبراتها في سبيل تحقيق التنمية المستدامة.
ولا زلنا نتمسك بموقفنا أن إشراك المرأة في الحكومة المشكلة مؤخرًا خطوة إيجابية في المسار الصحيح، وأن مساهمتها في صنع السياسات حاجة مُلحة، وليست فائضًا إجرائيًا لكسب التعاطف والإشادة.
نوقن أن النهضة في اليمن ترتبط بالاعتراف بمحورية النساء والتصالح مع إشراكهن في صنع السياسات والعملية الإنتاجية وسوق العمل، والتعامل معهن وفق مبدأ “استثمار الدور” كمكتسب وطني يُضاف إلى قائمة المكتسبات في البلاد، لا “ترضية الدور”، وندعو كل الأطراف الفاعلة -الرسمية وغير الرسمية- في اليمن إلى تحمل هذه المسؤولية المشتركة.
