Other

الصراع في المنطقة وبوادر تفكك النظام الإيراني: قراءة الموقف الحوثي والانعكاسات على اليمن

مـــقـدمــــة:

قامت “الولايات المتحدة الأمريكية” و”إسرائيل” بإطلاق عملية عسكرية على “جمهورية إيران الإسلامية” في 28 فبراير/شباط، تضمنت قصفًا بالمقاتلات الجوية والصواريخ وقنابل خارقة للتحصينات، واستهدفت الهرم القيادي للنظام الإيراني. وجاءت هذه العملية بهدف تفكيك بنية النظام الإيراني القائمة على الأيديولوجيا الثورية ومركزية المرشد الأعلى للبلاد، وتسليم إدارة البلاد لنخبة قابلة للتفاوض وتقديم مع واشنطن، حسب ما أكّد الرئيس الأميركي، “دونالد ترامب”.

وفي المقابل، لم تعلن جماعة أنصار الله (الحوثيين) الانخراط في الصراع القائم، واتّخذت موقفًا يتجنب انعكاساته المحتملة حتى اللحظة.

تتناول هذه الورقة تفاصيل العملية العسكرية الأميركية والإسرائيلية على إيران وآثارها، وبوادر تفكك النظام الإيراني، وتقدم قراءة في الموقف الحوثي تجاه الصراع ودلالاته، إضافة انعكاسات هذا الصراع على الملف اليمني ومعادلة القوة الخاصة به، وأخيرًا جملة من السيناريوهات المتوقعة لتوسع دائرة الصراع والموقف الحوثي وتطورات الملف اليمني خلال المرحلة القادمة.

 

بوادر تفكك النظام الإيراني:

شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل في فجر الثامن والعشرين من فبراير/شباط عملية عسكرية واسعة على إيران تجاوزت الأهداف التقليدية لتدمير البنية التحتية أو القدرات العسكرية، لتستهدف بشكل مباشر مركز الثقل القيادي والتحكم الأعلى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بهدف تفكيك النظام الإيراني. استهلت العملية بموجة سيبرانية مكثفة، ركّزت على شل شبكات الاتصال العسكرية وأنظمة الرادار الحيوية في غرب ووسط إيران، مما أدى إلى تعتيم إلكتروني فعال. هذا الشلل السيبراني جاء ليمهد لدخول أسراب من المقاتلات الشبحية المتطورة، التي نجحت في اختراق الأجواء الإيرانية دون رصد فعال، مستفيدة من قدراتها على التخفي وتجاوز الدفاعات الجوية، بالتوازي مع قصف صاروخي دقيق باستخدام صواريخ “توماهوك” المجنحة، التي أطلقت من مدمرات أمريكية من فئة “آرلي بيرك” المتمركزة في بحر العرب. إضافة إلى قنابل “خارقة للتحصينات” Bunker Busters) ) الموجهة بالليزر لاستهداف المقرات القيادية الحصينة بدقة متناهية.

هذا التكتيك الهجين، أدّى لنتائج حاسمة فوق المتوقع في وقت قياسي، كمقتل المرشد الأعلى الإيراني، “علي خامنئي”، الذي يمثل القيادة السياسية والدينية للبلاد، ومقتل كل من القائد العام للحرس الثوري، “محمد باكبور”، ووزير الدفاع، “عزيز نصير زاده”، ورئيس هيئة الأركان العامة، “عبد الرحيم موسوي”، وكبير مستشاري المرشد، “علي شمخاني”، وأعضاء بارزين في مجلس الأمن القومي، إضافة إلى قيادات آخرين من الصف الأول.

هذه الضربات الدقيقة خلقت فراغًا في المستوى القيادي ومراكز اتّخاذ القرار في بنية النظام الإيراني، الأمر الذي يجعله أكثر عشوائية في التعامل مع التطورات واتّخاذ القرار المناسب؛ لغياب القيادة المركزية المعنية باتّخاذ قرارات الحرب. وهذا الغياب، جعلنا أمام بوادر تفكك النظام الإيراني وتغيير أبجديات الحكم، لصالح التيار الإصلاحي في البلاد، من خلال انتقال صلاحية إدارة البلاد حصرًا بيد رئيسها المُنتخب، “مسعود بزشكيان”، وإنهاء منصب المرشد الأعلى، بعد 47 عامًا من الحكم الديني الموازي للمؤسسات المُنتخبة. وبدأت هذه البوادر بالتشكل بإعلان تشكيل مجلس قيادة لإدارة شؤون البلاد برئاسة الرئيس “بزشكيان” بعد يوم واحد من مقتل خامنئي. وهذا يأتي متوافقًا مع الخطة الأميركية لتفكيك النظام لصالح نخبة إصلاحية براغماتية أقل عدوانية في التعامل مع واشنطن والتفاوض معها بعقلانية، وهو ما أكّده الرئيس الأميركي، “ترامب”.

التحول البنيوي في النظام الإيراني يقود -بالضرورة- إلى تعديل السياسة الخارجية للبلاد، وإعادة تعريف تحالفاتها بما يجنبها تكاليف الصدام مع خصوم الأمس، ويجعلها أكثر انكفاءً على نفسها داخليًا، بما يمنع تدخلاتها الخارجية بدعم جماعات ما دون الدولة، التي أثبتت أنها غير فاعلة في حماية النظام، بما فيها جماعة أنصار الله (الحوثيين).

 

موقف الحوثيين:

توجد علاقة وثيقة بين النظام الإيراني وجماعة أنصار الله (الحوثيين) تنعكس على مسلك الجماعة وقراراتها. خلال السنوات السابقة، نسجت الجماعة تدخلاتها العابرة للحدود بما يتواءم والسياسات الإيرانية في المنطقة، سواءً من خلال استهداف مصالح المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، أو الانخراط في الصراع مع إسرائيل لمساندة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحزب الله اللبناني فيما عُرف بـ”وحدة الساحات”.

تواؤم الحوثيين مع الرغبة الإيرانية يبدو مفهومًا من خلال استقراء أسبابه، فهم يعتمدون على دعم طهران منذ مراحل مبكرة، واستطاعوا الاستيلاء على السلطة وبناء قدراتهم العسكرية بالاعتماد على هذا الدعم. وكذا، كونهم جزء من “محور الممانعة” الذي تقوده إيران يفرض عليهم التزامات بالخط الذي ينتهجه المحور، إضافة إلى ارتباطهم الأيديولوجي برمزية المرشد الأعلى واستلهام تجربة الثورة الإسلامية في إيران.

مع تفجر الصراع الأخير بانطلاق الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، أبدت الجماعة موقفًا جديدًا في سابقة من نوعها، بعكس كثير من التوقعات. بعد ساعات من الهجمات، ألقى “عبد الملك الحوثي”، زعيم الحوثيين، خطابًا قال فيه أن جماعته جاهزة لمساندة إيران، واعتبر أن دفاعها عن نفسها حق مشروع، معتبرًا أن الحرس الثوري والجيش الإيراني يملكان قدرات عسكرية كافية لمواجهة الاعتداء. ولكنه لم يفصح عن أي نية حقيقية للانخراط في الحرب، ولم يعلن عن أي خطوات إجرائية لذلك، بعكس المرات السابقة، واكتفى بتقديم العزاء والدعوة للتحشيد الجماهيري والإعلامي.

يعتبر الموقف الحوثي أقل من المستوى المُعتاد، إذ يبدو -هذه المرة- أكثر تعقلًا أمام خوض أي مخاطرات، وهو ما يعكس تحول بنيوي في تفكير الجماعة بشكل نسبي، مقارنة بالعامين السابقين، الّذين يعتبران “زهاء القتالية الحوثية”. ويتأكد التغير الآني في موقف الجماعة من خلال تجاهلها الرمزية التي تمثلها مقتل المرشد الأعلى، فلم تعلن الحداد في مناطق سيطرتها، بعكس اهتمامها بالرئيس الإيراني، “إبراهيم رئيسي”، و”حسن نصر الله”، زعيم حزب الله اللبناني، عندما أعلنت الحداد أيام لدى مقتلهما، رغم أنهما يعتبران أقل مكانة بكثير من المرشد الأعلى الذي قُتل مؤخرًا، إلا أن الفارق يتعلق بالتوقيت المُستجد والتحوط الذي بدأت تنتهجه الجماعة.

وفقدت الجماعة شهيتها في الانخراط في صراع جديد، بعد عجزها عن تحقيق مكاسب من الهجمات السابقة، التي أودت إلى تعرضها لأضرار جوهرية، كتصنيفها منظمة أجنبية إرهابية (FTO) من قبل وزارة الخزانة الأميركية في العام الماضي، ومضاعفة الحصار عليها واستهداف عدد كبير من قياداتها وقدراتها المادية، إضافة إلى توجسها من مصير حزب الله في لبنان، ونظام الأسد في سوريا، وقيادات النظام الإيراني الذين يتساقطون بشكل متسارع. المأزق الذي يمر به النظام الإيراني استوجب انخراط حزب الله في الصراع لمساندته بإطلاق عدد من الهجمات الصاروخية على شمالي إسرائيل في 2 مارس/آذار وتعرضه لرد عنيف من الجيش الإسرائيلي، ولا زالت الهجمات المتبادلة بين الطرفين حتى الآن، مع ذلك، لا زال الحوثيون يتمسكون بموقف أكثر اتّزانًا ويحاولون تجنب الانخراط في الصراع.

رغم ذلك، فإن التحوط الذي أبدته الجماعة محدود السقف، وقد تشارك في الصراع بمستويات محدودة، ومن ثم ترفع مستوى التصعيد بشكل تدريجي؛ خصوصًا إذا طال -وهو المرجح- أمد الصراع لعدة أسابيع واستطاع النظام الحفاظ على تماسكه واستعادة ثقته بنفسه. وفي أعلى السيناريوهات المتصورة، يبرز مضيق باب المندب هدفًا محتملًا لهجمات الجماعة المنطلقة من اليمن، ولكنها لن تنجح في الضغط على واشنطن في التوقف عن حملتها التي تستهدف سقوط نظام الثورة الإسلامية، حيث اتّضح أن اليمن لم تكن قادرة على فرض التأثير الحاسم في أحداث ومصير المنطقة، وإنما اقتصر دورها على إحداث “إزعاج محدود”، وتبدو متأثرًا مُحتملًا خلال الفترة القادمة، أكثر من كونها مؤثرًا.

 

ملامح الملف اليمني:

وفي الجزء المقابل من خارطة النفوذ في اليمن، يقف مجلس القيادة الرئاسي، ممثل الحكومة اليمنية (المعترف بها دوليًا)، مناوئًا للحوثيين، ورغم عدم تدخله في الصراع القائم في المنطقة، إلا أنه لا يخفي اهتمامه به؛ نظرًا لمركزيته في إعادة صياغة النفوذ الإقليمي، وما لذلك من امتدادات على دول المنطقة بما فيها اليمن. أصدر مجلس القيادة بيانًا رسميًا يدين فيه الهجمات الإيرانية على دول الخليج، ويحذر الحوثيين من الانخراط في الصراع لحماية النظام الإيراني-حسب وصفه.

طوال السنوات الماضية، تأثرت اليمن بالتقلبات التي عصفت بالمنطقة والعالم، سواء بدء الحملة العسكرية للتحالف العربي بأطرافه المتباينة، أو التغيرات المتعاقبة في إدارة البيت الأبيض، ومن ثم الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية، وأخيرًا “عملية السابع من أكتوبر” وتبعاتها. ويرى خبراء أن الملف اليمني خضع لمقاربة “التدويل” أو ما يمكن وصفه بـ”الأقلمة” منذ استيلاء الحوثيين على السلطة، حيث أن أي تغيرات طرأت فيه جاءت استجابةً للبيئة الإقليمية والدولية. ومن خلال هذه المقاربة، يعول المجلس على الصراع القائم مؤخرًا لاستثماره بما يعيد تعريف معادلة القوة لصالحه في مواجهة الحوثيين، ويحاول أن يضع ثقله لتوظيف هذه الفرصة بأي شكل من الأشكال.

وسيجعل تفكك بنية النظام الإيراني القائمة على الأيديولوجيا الثورية لصالح نخبة براغماتية جديدة منكفئة على نفسها داخليًا صدمة للحوثيين، ويقودهم إلى التحول إلى دور الدفاع والتفكير بمخاطر البقاء، بدلا عن الهجوم والسعي إلى توسيع النفوذ.

منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، انتهج النظام “عقيدة تصدير الثورة” والانفتاح على دعم حلفاء ما دون الدولة، فيما اعتبره “جيوش الدفاع الأمامية” عليه، ووفّر هذا النهج الغطاء الذي نشأ فيه الحوثيون وتمكنوا من تطوير قدراتهم. بانتهاء هذا النهج الإيراني المنفتح على الخارج، ستكون الحكومة اليمنية أفضل حالًا، إذ أنّ خصمها المحلي سيصبح أكثر عزلة ومحدودية في الدعم. 

وبالرغم أن الحوثيين استطاعوا تحقيق نجاحًا لا بأس به في تنويع مصادر الدعم وبناء شبكة تحالفات بدائية، في القرن الإفريقي أو من خلال علاقات محدودة مع موسكو وبكين، إلا أنّ كل ذلك لن يعوض الفراغ الذي سيتركه تفكك النظام الإيراني المحتمل.

خلال المرحلة القادمة، ستتغير معادلة القوة في اليمن لصالح الحكومة، بشكل لا يخدم جماعة الحوثي، ويقود إلى إضعاف حضورها كحد أدنى، ويهدد وجودها كليًا كسقف محتمل، خصوصًا إذا دعمت الرياض عملية عسكرية واسعة ضدها، حيث سيكون خيارها الوحيد للحفاظ على البقاء، التلويح بتهديد المصالح السعودية من خلال الصواريخ والطائرات المسيرة التي بحوزتها، لكنها ستكون ورقتها الأخيرة التي تلقي بها.

 

السيناريوهات المحتملة:

السيناريو الأول: الانخراط الحذر:

ويفترض هذا السيناريو مشاركة الحوثيين في الصراع القائم بشكل محدود كنوع من الالتزام تجاه النظام الإيراني، وسيقوم بتركيز قصفه تجاه إسرائيل بدرجة أساسية، دون الانخراط في صراع أوسع، خصوصًا مع دول الخليج وفي مقدمتها السعودية، وسيقود هذا إسرائيل لاستهدافه بضربات مقاتلاتها الجوية بوتيرة متوسطة مبدئيًا، وتؤجل هدف القضاء على قدراتها إلى ما بعد تفرغها من تفكيك النظام الإيراني وحزب الله، وبهذا سيكون خيار الانخراط القضاء الكلي على وجود الحوثيين متروكًا لاعتبارات الرياض في مرحلة متقدمة.

يعتبر هذا السيناريو هو الأرجح؛ لأنه يوافق إرادة الحوثيين التي يبدونها، وبُني على هذه الإرادة باعتبارهم الفاعل صاحب القرار، ولكنهم قد ينزلقون -بشكل خارج إرادتهم- إلى سيناريو الانخراط المفتوح، ودخول السعودية فيه بعد تعرضها للقصف؛ خصوصًا أن دينامية الصراع القائم لا يمكن التحكم بها من قبل طرف واحد

السيناريو الثاني: الانخراط المفتوح:

ويتصور هذا السيناريو تدخل الحوثيين في الصراع لمساندة النظام الإيراني بشكل أكثر توسعًا. وفي المقابل، تعرضهم للقصف الأميركي والإسرائيلي، وسيقود ذلك تباعًا إلى انخراط السعودية في مقدمة أطراف الصراع؛ بفعل تعرض أراضيها للقصف من قبل الطرف الذي تمثله إيران، بما في ذلك آبارها النفطية، الأمر الذي سيعني -عمليًا- انهيار الهدنة الهشة، ودعم الرياض -في وقت قريب- البدء بعملية برية ضد الحوثيين، مع افتقاده لفاعلية الدعم الإيراني الذي اعتمد عليه سابقًا، سواءً تفكك النظام الإيراني أم استطاع الحفاظ على تماسكه.

السيناريو الثالث: الحياد الحذر:

هذا السيناريو سيكون الأقل كلفة على الحوثيين في حال اكتماله، الأمر الذي قد يدفعهم لانتهاجه، وهو يقضي بعدم تدخلهم في الصراع القائم؛ للحفاظ على قدراته لأي معركة داخلية مُحتملة، وكذا تجنب ردة الفعل الأميركية والإسرائيلية. ولكن، هذا السيناريو لا يضمن للحوثيين تجنبهم القصف الأميركي والإسرائيلي رغم حيادهم المتأخر، حيث يرجح أنهم هدف مؤجل لإدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وحكومة إسرائيل، إذ سيحظون بفترة من الراحة بشكل مؤقت، ولكن سيعاود القصف عليهم للقضاء على قدراتهم العسكرية.

By Author: