التسوية السياسية في اليمن: مساهمة نظرية في بناء السلام في اليمن
ملخص الدراسة:
تسعى هذه الدراسة الموسومة بعنوان “التسوية السياسية في اليمن مساهمة في بناء تسوية سياسية للصراع اليمني” إلى تقديم مقاربة علمية تسهم في فهم ديناميات الصراع اليمني المعقد، ومحاولة استكشاف فرص تسوية سياسية عادلة ومستدامة تراعي تعقيدات الواقع اليمني وتحولاته.
وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الصراع في اليمن لم يعد محصورًا في كونه صراعا على السلطة فحسب، بل تحول إلى صراع مركب ذو أبعاد سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وطائفية، ومناطقية، مما يستدعي تجاوز الحلول التقليدية لصالح مقاربات شاملة تتعامل مع الجذور العميقة للأزمة.
ومن خلال منهج تحليلي مقارن، تناولت الدراسة أبرز القضايا الخلافية التي تمثل جوهر الصراع، وفي مقدمتها قضية شكل الدولة، وتوزيع الثروة والسلطة والقضية الجنوبية، ومستقبل الفاعلين السياسيين والعسكريين في المشهد اليمني.
وقد ركزت الدراسة على تحليل قضية شكل الدولة باعتبارها من القضايا السيادية الحساسة، لما تحمله من دلالات ترتبط ببنية النظام السياسي، سواء أكان بسيطا مركزيًا تُركّز فيه السلطة في الحكومة المركزية، أم اتحاديًا توزع فيه السلطات بين المركز والأقاليم كما تطرقت الدراسة إلى مسألة صيغة الوحدة، بوصفها تعبيرًا عن طبيعة العلاقة بين مكونات الدولة، متناولة النمط الاندماجي الكامل مقابل النمط الاتحادي.
وقد توقفت بشكل خاص عند الصيغة الاتحادية التي أقرها مؤتمر الحوار الوطني (٢٠١٣ – ٢٠١٤م)، والتي سعت إلى الحفاظ على وحدة الدولة مع منح الأقاليم صلاحيات موسعة، غير أنها واجهت رفضا من قبل بعض الأطراف، وفي مقدمتها جماعة الحوثي وبعض النخب الجنوبية، ما أبرز الحاجة إلى خيارات أكثر مرونة وتوافقية.
وفي هذا السياق، قدمت الدراسة صيغًا بديلة لشكل الدولة، من بينها “الدولة التوافقية التي تقوم على إعادة بناء المؤسسات المركزية وفق مبادئ الشراكة الوطنية والتمثيل المتوازن دون اللجوء بالضرورة إلى الفيدرالية الإقليمية.
كما ناقشت خيار الوحدة مع حكم محلي موسع، باعتباره نموذجا يقترب من اللامركزية الشاملة، ويمنح المحافظات صلاحيات واسعة ضمن إطار وحدة الدولة، ويمكن أن يعتمد كمرحلة انتقالية نحو أنماط أكثر تطورا من الفيدرالية.
أيضا سلطت الدراسة الضوء على مواقف القوى المحلية والإقليمية والدولية من التسوية، محللة سيناريوهاتها المختلفة وفرص التوافق المستقبلي الذي يضمن سلاما دائما واستقرارا سياسيا. وانطلقت من أهداف رئيسية تمثلت في تشخيص طبيعة الصراع وتحولاته، وتحديد معوقات التسوية السياسية، واستقراء المتطلبات الأساسية لإنجاحها، واقتراح مداخل ومقاربات بديلة لبناء السلام في اليمن.
وقد اعتمدت الدراسة في ذلك على أدوات تحليلية جمعت بين البعد النظري والدراسة الميدانية والتحليل السياقي، مستفيدة من الأدبيات المقارنة لتجارب السلام في دول أخرى. إلى جانب ذلك، توصلت الدراسة إلى نتائج مهمة، من أبرزها: إن نجاح أي تسوية سياسية في اليمن يتطلب إعادة تعريف المرجعيات وتكييفها مع الواقع الجديد، وبناء نموذج تسوية يمني يمني قائم على الحوار الوطني الشامل دون إقصاء.
كما بينت أن معالجة القضايا السيادية، مثل إعادة بناء المؤسستين العسكرية والأمنية وضمان حياد هما، تمثل مدخلا جوهريًا لأي تسوية ناجحة. واختتمت الدراسة بجملة من التوصيات، من أبرزها الدعوة إلى تبني تسوية مركبة تراعي خصوصية السياق اليمني، وتغليب منطق الشراكة على الإقصاء، واعتماد ترتيب الأولويات كمدخل مرحلي لبناء الثقة وصولا إلى بناء دولة جامعة لكل اليمنيين.
كما أوصت بتفعيل دور الأمم المتحدة في تيسير العملية السياسية، مع مراجعة أدواتها بما يضمن فاعلية أكبر في ضوء التحولات الجارية. وفي ذات الجانب أكدت الدراسة على أن أي مسار تسوية سياسية ينبغي أن يبني على إدراك عميق للتحولات التي طرأت على البنية الاجتماعية والسياسية في اليمن خلال سنوات الحرب والانقسام، والتي أدت إلى نشوء فاعلين جدد وفرض وقائع ميدانية معقدة، تتطلب تسويات مرنة تستند إلى الواقعية السياسية وتكفل الشمول والتمثيل العادل لكافة الأطراف.
وفي هذا الإطار، أبرزت الدراسة أهمية الانتقال من الحلول الطارئة والمؤقتة إلى هندسة عملية سلام طويلة المدى تبدأ بمقدمات بناء الثقة، وتشمل ترتيبات أمنية وسياسية متزامنة، وتنتهي بإعادة صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على التوافق الوطني.
كما شددت على ضرورة أن تكون القضايا الإنسانية والتنموية جزءا أصيلاً من التسوية، لا مجرد نتائج لاحقة لها، مما يقتضي تفعيل أدوات العدالة الانتقالية، وإعادة دمج المجتمعات المتضررة في مشروع الدولة.
أخيرًا، خلصت الدراسة إلى أن المسار الأممي لا يزال يعد مظلة ضرورية لتنظيم العملية السياسية، لكنه يحتاج إلى تجديد آلياته وتوسيع قاعدة تمثيله لتشمل الفاعلين غير الرسميين والمجتمع المدني كما دعت إلى إشراك القوى الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني وقطاع المرأة اليمنية وقطاع الشباب، باعتبارهم رافعة ضرورية لأي تحول ديمقراطي حقيقي وضمانة لاستدامة التسوية على المدى البعيد.
إعداد الباحث/ مهند الغرساني
لقراءة الدراسة كاملة يتوفر تنزيلها Pdf
هذه الدراسة لا تعبر بالضرورة عن توجهات المنتدى وسياساته وإنما تعبر عن وجهه نظر الكاتب فقط